بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين /الدكتور وسيم وني ـ بوابة صيدا
في ظل التعقيدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها لبنان والمنطقة، ومع استمرار التحديات التي تواجه أبناء شعبنا الفلسطيني في المخيمات والتجمعات في لبنان، يبرز الحراك الدبلوماسي الفلسطيني والذي تقوده القيادة السياسية في لبنان بوصفه أداة مركزية لإدارة العلاقة الرسمية مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
لم تعد الدبلوماسية المعاصرة تقتصر على اللقاءات البروتوكولية أو البيانات الشكلية، بل تحولت إلى عملية تشبيك مؤسسي منظم يمتد من البلديات والجمعيات والمؤسسات إلى النواب وصولاً إلى المرجعيات السياسية والإدارية العليا والشخصيات الاجتماعية الفاعلة، بما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة النظام اللبناني وتركيبته المؤسسية.
ويشكل التشبيك المؤسسي أحد أهم أدوات الدبلوماسية الحديثة، إذ يقوم على:
• بناء علاقات مستدامة قائمة على المصالح المشتركة.
• اعتماد الحوار المتواصل كنهج ثابت.
• ترسيخ آليات تنسيق واضحة وممنهجة.
وفي الحالة الفلسطينية في لبنان، يكتسب هذا المفهوم بعداً خاصاً نظراً للطبيعة القانونية والسياسية للوجود الفلسطيني، بوصفه وجوداً مؤقتاً إلى حين العودة إلى فلسطين، لكنه في الوقت ذاته وجود يحتاج إلى إدارة واقعية لملفاته اليومية.
كما إن نقل العلاقة من الطابع الظرفي إلى الطابع الاستراتيجي يرسخ الثقة المتبادلة، ويضع القضايا ضمن أطر رسمية واضحة، بعيداً عن الانفعال أو سوء الفهم.
ويستند الأداء الدبلوماسي الفلسطيني إلى قواعد القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، التي تحدد مهام البعثات الدبلوماسية في:
• تمثيل دولها.
• حماية مصالحها.
• تعزيز العلاقات الودية مع الدولة المضيفة.
وفي السياق اللبناني، يُمارس هذا الدور ضمن احترام كامل للقوانين اللبنانية والنظام الدستوري القائم.
كون التشبيك مع البلديات والنواب وصنّاع القرار لا يُعد تدخلاً في الشؤون الداخلية، بل ممارسة دبلوماسية مشروعة تهدف إلى التنسيق في ملفات مشتركة بطبيعتها، كالصحة والتعليم والبنية التحتية والتنظيم الإداري.
وتُعد البلديات السلطة الإدارية الأقرب إلى الواقع اليومي للمخيمات، حيث تتقاطع مهامها مع قضايا:
• النظافة والصحة العامة
• تنظيم الطرق والإنارة
• السلامة العامة وإدارة الأزمات
وإن بناء تعاون وثيق بين السفارة الفلسطينية والبلديات يسهم في:
معالجة الإشكالات الخدماتية بأسلوب مؤسساتي.
وضع خطط مشتركة لإدارة الأزمات.
تعزيز مفهوم الجوار الإيجابي.
ترسيخ ثقافة الحوار بديلاً عن التوتر.
ويعتبر هذا التنسيق البلدي–الدبلوماسي معززاً للاستقرار المحلي ويُظهر أن العمل الرسمي المنظم هو السبيل الأمثل لإدارة التحديات.
كما أن مجلس النواب اللبناني يحتل موقعاً محورياً في صياغة القوانين والسياسات العامة ، ومن هنا، فإن التواصل المنهجي مع النواب والكتل البرلمانية يتيح طرح القضايا الفلسطينية ضمن إطار مؤسساتي رصين.
و يسهم هذا الحوار في:
• توضيح الخصوصية القانونية للاجئين الفلسطينيين.
• الدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية ضمن الأطر الممكنة.
• تعزيز الخطاب الداعم لحق العودة.
• تصحيح الصور النمطية الناتجة عن غياب المعلومات الدقيقة.
إن الحراك الدبلوماسي الفاعل يخلق بيئة سياسية أكثر تفهماً لاحتياجات المخيمات، ويسهم في بناء رأي عام برلماني داعم لمعالجة الملفات الإنسانية بروح مسؤولة.
وتكمن القيمة الحقيقية لأي جهد دبلوماسي في أثره على حياة أبناء شعبنا الفلسطيني. ومن أبرز انعكاسات هذا الحراك:
• تسهيل الوصول إلى الجهات الرسمية وصناع القرار لمعالجة القضايا الإدارية.
• تحسين التنسيق في الملفات الصحية.
• تعزيز فرص التعاون في التعليم والتدريب والتنمية المحلية.
• تكريس صورة إيجابية عن الوجود الفلسطيني الملتزم بالقانون.
• كما يعزز هذا المسار شعور أبناء شعبنا بأن قضاياهم تُطرح في المحافل الرسمية بجدية ومسؤولية.
ويعد تحسين الظروف المعيشية للاجئين لا يتناقض مع رفض التوطين، بل يشكل ضمانة للاستقرار ومنع الانفجار الاجتماعي ، فلبنان الذي احتضن اللاجئين منذ نكبة 1948 يبقى شريكاً أساسياً في معادلة الاستقرار، وأي معالجة واقعية للملف يجب أن تراعي مصلحة البلدين.
فالحراك الدبلوماسي الفلسطيني يرسخ معادلة واضحة:
"كرامة الإنسان اليوم لا تُلغي حق العودة غداً، بل تحميه."
ويتطلب تعزيز هذا الدور اعتماد رؤية استراتيجية طويلة الأمد تقوم على:
• التخطيط المؤسسي الممنهج.
• توثيق الإنجازات.
• تفعيل الإعلام المهني المواكب.
• إنشاء قاعدة بيانات دقيقة حول احتياجات المخيمات.
• تطوير آليات متابعة دورية للقاءات والاتفاقات.
• كما أن إشراك الكفاءات الفلسطينية في مجالات القانون والإدارة والعلاقات الدولية ضمن إطار استشاري داعم يعزز الطابع المؤسسي ويمنحه عمقاً أكاديمياً مستداماً.
ختاماً إن التشبيك الذي تقوم به السفارة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية مع البلديات والنواب وصنّاع القرار في لبنان ليس عملاً شكلياً، بل مساراً استراتيجياً يعكس نضج الدبلوماسية الفلسطينية وإدراكها لتعقيدات الواقع اللبناني.
فكل لقاء رسمي، وكل حوار مسؤول، وكل مبادرة تعاون، هو لبنة إضافية في بناء حماية حقوق أبناء شعبنا، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ الشراكة التاريخية بين الشعبين اللبناني والفلسطيني.
كما أن العمل المؤسساتي المنظم هو الطريق الأمثل لصون الكرامة الوطنية، وتحقيق المصالح المشروعة، وترسيخ حضور فلسطيني فاعل ومسؤول، حتى يبقى حق العودة هو البوصلة، ويبقى الإنسان الفلسطيني محور الاهتمام وأولوية العمل.