بوابة صيدا
هو عمرو بن عبد الله بن عثمان بن وهب بن حذافة بن جمح، المعروف في السيرة النبوية بـ (أبي عزة الجمحي).
كان واحداً من شعراء قريش البارزين في العصر الجاهلي، وعُرف بفقره الشديد وكثرة بناته (إذ كان له خمس بنات)، ولم يكن يملك من حطام الدنيا شيئاً سوى لسانه وقصائده.
المحطة الأولى: الأسر في غزوة بدر والمنّ عليه
خرج أبو عزة مع مشركي قريش في غزوة بدر (2 هـ) لقتال المسلمين، وانتهت المعركة بوقوعه أسيراً في أيدي المسلمين. ولما كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يفدي الأسرى بالمال، وقف أبو عزة عاجزاً لشدة فقره، فتقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستعطفه قائلاً: "لقد عرفتَ ما لي من مال، وإني لذو حاجة، وإني لذو عيال فامْنُنْ عليّ".
رقّ النبي صلى الله عليه وسلم لحاله وبناته، فقرر إطلاق سراحه بغير فداء (مَنّاً عليه)، ولكن بشرط وعهد غليظ قطعه أبو عزة على نفسه: ألا يظاهر (لا يعين) على النبي صلى الله عليه وسلم أحداً، وألا يهجوه بلسانه، ولا يخرج لقتاله أبداً. فوافق أبو عزة وعاد إلى مكة شاكراً.
المحطة الثانية: نكث العهد والتحريض في غزوة أحد
حين بدأت قريش تجهيز جيشها لغزوة أُحد (3 هـ) للانتقام من هزيمة بدر، جاء زعيم قريش صفوان بن أمية إلى أبي عزة الجمحي يطلب منه الخروج معهم ليحرض القبائل العربية بلسانه وشعره على قتال المسلمين.
في البداية، رفض أبو عزة وقال لصفوان: "إن محمداً قد مَنّ عليّ، وإني قد عاهدته ألا أظاهر عليه أحداً".
لكن صفوان بن أمية استغل حاجته وفقره وأغراه بالمال والضمانات قائلاً: "إن رجعتَ أغنيتك، وإن قُتلتَ جعلتُ بناتك مع بناتي يقع عليهن ما يقع عليهن من عسر ويسر".
وأمام هذا الإغراء، نكث أبو عزة عهده مع النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج يطوف بين القبائل العربية (مثل بني كنانة) يُلقي القصائد الحماسية ويهجو المسلمين ويحرضهم على الخروج لغزوة أحد.
المحطة الثالثة: الأسر الثاني ونهايته الحتمية
شهد أبو عزة معركة أحد، وفي نهايتها وعند تراجع المشركين، ضلّ الطريق ووقع في الأسر مرة ثانية على يد المسلمين (أَسَرَهُ عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح). وعندما أُدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، شعر بالرعب وحاول إعادة الكرّة واستعطاف النبي صلى الله عليه وسلم بنفس الأسلوب قائلاً: "يا محمد، امنُنْ عليّ ودعني لبناتي، وأعطيك عهداً ألا أعود".
هنا، جاء الرد النبوي الحاسم والقاطع لقطع دابر الخيانة واستغلال العفو، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كلمته الشهيرة التي أصبحت قاعدة شرعية وسياسية:
"لا تمسح عارضيك بمكة وتقول: سخرتُ بمحمد مرتين! لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين".
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه، فنفذ فيه الحكم الزبير بن العوام (وفي روايات عاصم بن ثابت)، فكان هو الأسير الوحيد الذي قُتل صبرًا من بين أسرى أحد.
ـــــــــــــ
المصادر والمراجع التاريخية المعتمدة:
1. السيرة النبوية لابن هشام: (الجزء الثاني - سيرة أسرى بدر، وتفاصيل غزوة أحد).
2. الطبقات الكبرى لابن سعد: (ذكر تفاصيل السرايا والغزوات وأحوال الأسرى).
3. عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير لابن سيد الناس: (وفيه تفصيل مقولة "لا يلدغ المؤمن").
4. المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: (أورد الحديث النبوي وصححه في كتاب المغازي والسير).
5. صحيح البخاري: (أصل الحديث "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" مخرج في الصحيح، وربطه الشُّراح بقصة أبي عزة الجمحي في فتح الباري لابن حجر العسقلاني).
ـــــــــــــــ
إقرأ أيضاً
أربعة أحاديث نبوية تغنيك عن حضور أربع دورات تدريبيّة لأربع مهارات مهمّة
الفرق بين الحية والثعبان في اللغة.. و دقة القرآن الكريم حينما استخدم الكلمتين