عبد الباسط ترجمان ـ خاص «بوابة صيدا»
في مدينةٍ أنهكتها الأزمات وتراكمت فيها الهموم المعيشية والخدماتية، لم تعد أزمة النفايات مجرد مشهد مزعج في الشوارع أو جبل يتنامى على أطراف المدينة، بل تحولت إلى قضية تمس صحة الناس وكرامتهم وحقهم في العيش ضمن بيئة نظيفة، وتطرح أسئلة كبيرة عن المسؤوليات والحلول والجهات القادرة على وضع حدٍّ لهذا الملف المزمن.
وبين اتهامات التقصير والفساد، ومطالبات المحاسبة، والوعود المتكررة بمعالجة الأزمة، تبرز رواية أخرى يقدمها مدير معمل فرز ومعالجة النفايات في صيدا (IBC)، السيد أحمد السيد، الذي يضع التمويل في صلب المشكلة، ويؤكد أن المعمل لا يعمل بكامل طاقته، وأن لديه القدرة على إنهاء جبل النفايات خلال مدة لا تتجاوز سنتين، شرط حصوله على مستحقاته المالية وتوفير الظروف الفنية والإدارية اللازمة.
في مقابلة مع موقع «بوابة صيدا»، عرض "السيد" تفاصيل الأزمة منذ بداياتها، وتحدث عن العقبات التي واجهت إدارة المعمل، والخطة التطويرية التي يقول إنها تعثرت بسبب غياب التمويل، كما ردّ على الاتهامات الموجهة إلى الإدارة، وتناول ملف الحرائق، والرقابة، والعقد الناظم للعمل، ودور الجهات الرسمية والبلدية في الوصول إلى حل.
لكن الرسالة الأبرز التي أراد إيصالها كانت واضحة: المعالجة، وفق رؤيته، لا تبدأ بتبادل الاتهامات، بل بتأمين التمويل، وتحديد المسؤوليات، وتفعيل الرقابة، والالتزام المتبادل بالحقوق والواجبات.
من أزمة مالية إلى جبل من النفايات
يربط "السيد" بداية تفاقم الأزمة المالية التي يعاني منها المعمل بالأزمة الاقتصادية اللبنانية التي انفجرت عام 2019، مع انهيار العملة الوطنية والقيود التي فرضتها المصارف على أموال المودعين، قبل أن تبدأ المشكلات التشغيلية للمعمل بالظهور بصورة أوضح أواخر عام 2021.
ويقول إن المدير السابق للمعمل اضطر، في ظل العجز المالي، إلى طلب الدعم من صاحب المشروع والممول له، وهو مستثمر سعودي الجنسية، بعدما بات استمرار العمل يواجه صعوبات متزايدة.
ويستعيد "السيد" الذي يوضح أنه كان محامي صاحب المشروع، سؤالاً طرحه آنذاك على المدير السابق، مفاده: "كيف أمضى المعمل عشر سنوات في الاستثمار، من دون أن يتمكن حتى ذلك الوقت من البدء بتحقيق الأرباح؟"
ويشير إلى أن هذا السؤال كان منطلقاً لفهم مكامن الخلل في المشروع، الذي استمر في تقديم خدماته للمدينة، لكنه واجه، بحسب روايته، صعوبات مالية وتشغيلية حالت دون وصوله إلى مرحلة الاستقرار المطلوب.
عقدٌ بلا مطمر… فأين تذهب العوادم؟
عندما تسلّم أحمد السيد إدارة المعمل في أواخر عام 2022، يقول إنه اكتشف مشكلة أساسية تتعلق بطبيعة العقد الموقع، إذ لا يتضمن، بحسب شرحه، إنشاء مطمر، كما يمنع عمليتي الطمر والحرق. ويعتبر أن هذه النقطة تطرح إشكالية تقنية جوهرية، لأن عمليات الفرز والمعالجة لا تعني اختفاء النفايات بالكامل، بل ينتج عنها جزء متبقٍّ من العوادم يحتاج إلى معالجة نهائية آمنة.
ويوضح أن نحو 15 في المئة من النفايات تبقى عوادم بعد الفرز والمعالجة، متسائلاً عن الوجهة التي يمكن أن تذهب إليها هذه الكمية في غياب حل نهائي واضح ومتاح.
ومن هنا، يقول "السيد" إن المعمل وجد نفسه أمام معادلة صعبة: الاستمرار في استقبال النفايات، من دون توافر جميع الشروط والإمكانات اللازمة للتعامل مع مخرجات المعالجة. ويرى أن ذلك ساهم في تحويل مركز المعالجة، عملياً، إلى مساحة تتكدس فيها النفايات، بدلاً من أن يؤدي دوره ضمن منظومة متكاملة تنتهي بالتخلص الآمن من العوادم.
خطة تطويرية تنتظر التمويل
يؤكد "السيد" أنه لم يكتفِ بتشخيص المشكلة، بل وضع خطة تطويرية للمعمل بهدف تحسين قدراته التشغيلية، والحد من تراكم النفايات، ورفع مستوى المعالجة.
غير أن الخطة، وفق روايته، لم تنطلق في البداية بسبب عدم توافر الأموال اللازمة، قبل أن يُطلب منه الحصول على موافقة شركة فرنسية. وبعد استكمال الموافقة والبدء بالتنفيذ، واجه المشروع، بحسب قوله، اعتراضات ومشكلات إضافية، في وقت لم تكن المستحقات المالية قد وصلت إلى المعمل.
ويقول إن غياب التمويل أفقد الخطة زخمها، وحال دون استكمالها بالشكل المطلوب، مشدداً على أن المعمل لا يستطيع شراء المعدات والآلات الإضافية أو توسيع قدراته التشغيلية من دون سيولة مالية كافية.
ويضيف أن الشركة لم تحصل، بحسب إفادته، على أي دفعة خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم أن قيمة المعالجة المتفق عليها تبلغ 95 دولاراً للطن الواحد.
ويعتبر أن المطالبة بتطوير الأداء ومحاسبة الإدارة على النتائج يجب أن تترافق مع تأمين الموارد اللازمة لتنفيذ المطلوب، لأن تحميل المعمل كامل المسؤولية، مع عدم تسديد مستحقاته، يضعه أمام معادلة يصعب حلها.
20 مليون دولار… والمدينة تنتظر الحل
يضع السيد ملف المستحقات المالية في مقدمة الأسباب التي تعيق معالجة الأزمة، مقدّراً الأموال المتوجبة للمعمل بنحو 20 مليون دولار.
ويقول إن المعمل تلقى وعوداً بتحويل دفعتين، تبلغ قيمة كل منهما 2.8 مليون دولار، الأولى كان يُفترض، وفق ما ذكر، أن تُسدّد قبل نحو شهر ونصف من موعد المقابلة، فيما يُفترض تحويل الثانية قبل نهاية عام 2026.
لكن السيد يؤكد أن الدفعة الأولى لم تصل حتى موعد المقابلة، رغم ما قال إنه أُعلن عن تحويل الأموال قبل نحو ستة أسابيع.
ويشير إلى أن إدارة المعمل لا تزال تراجع الجهات المعنية لمتابعة الملف، من دون أن تكون قد تسلمت المبلغ المنتظر، معتبراً أن استمرار التأخير ينعكس مباشرة على قدرة المعمل على شراء المعدات واستكمال خطته التطويرية.
وبينما يطالب البعض بزيادة كميات النفايات التي يعالجها المعمل يومياً، يرد السيد بأن القدرة التشغيلية الحالية لا تتجاوز، بحسب قوله، نحو 100 طن يومياً، وأن الوصول إلى مستويات أعلى يتطلب تمويلاً وإمكانات إضافية.
وهنا تبرز المفارقة التي يضعها أمام الجهات المعنية: كيف يمكن مطالبة المعمل بمعالجة نحو 250 طناً من النفايات يومياً، فيما لا تتوافر له، وفق روايته، الموارد اللازمة لرفع قدرته إلى هذا المستوى؟
«لسنا فوق المحاسبة… لكن المسؤولية يجب أن تكون متبادلة»
في مواجهة الانتقادات التي تطال إدارة المعمل ومجلس إدارته، يرفض السيد ما يصفه بحملة تستهدف تشويه صورة الإدارة الجديدة، معتبراً أن بعض الاتهامات تجاوزت حدود النقد المرتبط بالأداء إلى استهداف المعمل وإدارته.
ويقول إن هناك من يتهم الإدارة بالفساد وعدم الكفاءة، لكنه يرى أن معالجة الأزمة تتطلب النظر في جميع جوانب الملف، لا الاكتفاء بتوجيه اللوم إلى طرف واحد.
ويطرح السيد سؤالاً أساسياً: لماذا يُطلب من المعمل الالتزام الكامل بمسؤولياته التعاقدية، في حين لا تُنفّذ، بحسب قوله، الالتزامات المالية المقابلة؟
ويشدد على أن إدارة المعمل تعمل ضمن إطار العقد والقانون، وأن الالتزامات لا ينبغي أن تكون أحادية الجانب، بل يجب أن يلتزم كل طرف بما يترتب عليه.
وفي المقابل، فإن الجدية في معالجة أزمة النفايات تقتضي، وفق ما تفرضه المصلحة العامة، إخضاع الأداء للتقييم والمراقبة، وتحديد مواضع الخلل بوضوح، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو تبادل الاتهامات.
ويعتبر "السيد" أن بعض الحملات التي تستهدف المعمل ترتبط، في تقديره، بحسابات سياسية، ويقول إن الإدارة لن تقبل بأن تتحول إلى جهة تُحمّل مسؤولية إخفاقات تتجاوز نطاق عملها.
لماذا مُنعت شركة المراقبة؟
من النقاط التي توقف عندها "السيد" باستغراب، ما قال إنه حصل بشأن شركة المراقبة التي عيّنها اتحاد بلديات صيدا والزهراني لمتابعة عمل المعمل.
ويشرح أن مهمة الشركة، كما يفهمها، تتمثل في مراقبة عمليات الفرز والمعالجة، والتحقق من مدى مطابقة العمل الفعلي لما هو متفق عليه.
ويرى أن وجود جهة رقابية مستقلة لا يشكل عبئاً على إدارة المعمل، بل يمكن أن يكون في مصلحة الجميع، بمن فيهم الإدارة نفسها، لأنه يساعد على تحديد أوجه القصور والمشكلات التقنية، ووضع الحلول المناسبة لها.
ويؤكد أن البلدية والمجتمع الصيداوي يستفيدان بدورهما من هذه الرقابة، لأنها تتيح معرفة أين يقع الخلل، وما إذا كانت المشكلة ناجمة عن نقص الإمكانات أو آلية التشغيل أو عوامل أخرى.
ومن هنا، يطرح السيد تساؤلاً حول أسباب منع شركة المراقبة، بحسب ما أورده، في وقت يفترض أن تكون الرقابة جزءاً أساسياً من أي خطة جدية لمعالجة أزمة بهذا الحجم.
نفايات المسالخ ومخلفات المنازل… أعطال تتكرر داخل المعمل
لا تتوقف المشكلات، وفق "السيد" عند نقص التمويل أو تراكم النفايات، بل تشمل أيضاً طبيعة المواد التي تصل إلى المعمل.
ويوضح أن النفايات الواردة قد تحتوي على مخلفات المسالخ، بما فيها الأحشاء والعظام واللحوم، إلى جانب الأخشاب والبلاستيك ومواد أخرى، مشيراً إلى أن عدم فرز هذه المواد من المصدر أو داخل المعمل، وفق المتطلبات الفنية، قد يؤدي إلى أعطال في عدد من الآلات والمعدات.
ويقول إن الإدارة طلبت المساعدة لمعالجة هذه المشكلة، لكنه يرى أن الاستجابة لم تكن بالمستوى المطلوب.
وتكشف هذه النقطة جانباً آخر من الأزمة، يتعلق بأهمية تنظيم عملية جمع النفايات وفرزها من المصدر، وتطبيق آليات واضحة للتعامل مع المخلفات المختلفة، بما يخفف الأعطال ويحسّن كفاءة المعالجة.
فالمعمل، بحسب ما يشرح "السيد" لا يعمل بمعزل عن منظومة جمع النفايات ونقلها، بل يتأثر بما يصل إليه من مواد، وبمدى الالتزام بالشروط الفنية المطلوبة.
الحرائق… من يتحمل المسؤولية؟
وفي ملف الحرائق التي شهدها جبل النفايات، رفض "السيد" الاتهامات التي تقول إن المعمل يتعمد افتعال الحرائق، واصفاً إياها بالباطلة، ومؤكداً أن مثل هذا الفعل، لو ثبت وقوعه من الإدارة، سيلحق بالمعمل أضراراً مادية ومعنوية وجسدية، فضلاً عن الأضرار التي قد تطال الموظفين والعمال.
ويستشهد بالحريق الأخير، الذي قال إنه تسبب بأضرار مادية كبيرة، وأتلف أعمالاً استغرقت أكثر من ثلاثة أشهر متواصلة.
ويتساءل: ما المصلحة التي يمكن أن تجنيها إدارة المعمل من افتعال حريق يضر بمعداتها وعملها وسمعتها؟
وبين الاتهامات والردود، يبقى ملف الحرائق بحاجة إلى تحقيقات فنية واضحة تحدد أسبابها والمسؤوليات المترتبة عليها، بعيداً عن الاستنتاجات غير المدعومة بالأدلة. فسلامة العاملين والسكان، وحماية البيئة والممتلكات، تتطلب كشف الأسباب الفعلية لأي حريق ومنع تكراره.
هل يريد البعض إقفال المعمل؟
يرى السيد أن بعض الانتقادات الموجهة إلى الإدارة الجديدة تتجاوز، بحسب تقديره، المطالبة بتحسين الأداء إلى الدفع باتجاه إقفال المعمل.
ويقول إن تحميل الإدارة الحالية مسؤولية مشكلات تعود إلى سنوات سابقة، بينها مشكلات منذ افتتاح المعمل عام 2012، لا يساعد على حل الأزمة، لأن الإدارة الجديدة، وفق قوله، لا يمكن أن تتحمل وحدها مسؤولية ما حدث قبل تسلمها مهامها.
ويحذر من أن إقفال المعمل من دون تأمين بديل متكامل قد يضع المدينة أمام أزمة أكبر، تتمثل في غياب الجهة التي تستقبل النفايات وتعالجها، وما قد يترتب على ذلك من عودتها إلى الشوارع أو تراكمها في مواقع غير مناسبة.
ويضيف أن معالجة ملف النفايات لا يمكن أن تتم عبر جعل المعمل «فشة خلق» للغاضبين من الواقع، بل من خلال معالجة الأسباب الفعلية التي أدت إلى تفاقم الأزمة.
ويقول إن إدارة المعمل لن تتخلى عن مسؤوليتها تجاه المدينة، وإنها ستواصل العمل من أجل تجاوز الأزمة، لكنه يكرر أن ذلك يحتاج إلى تعاون فعلي بين الإدارة والبلدية والجهات الرسمية، وتسديد المستحقات المالية، وتوفير شروط التشغيل المناسبة.
رئيس البلدية يسعى للحل… والعقدة في التنفيذ
وفي حديثه عن دور البلدية، قال "السيد" إن رئيس بلدية صيدا الحالي "مصطفى حجازي" يعمل، بحسب تقديره، من أجل إيجاد حل للأزمة، لكنه أشار إلى وجود أطراف يرى أنها لا تساعد على إنجاح المساعي المبذولة.
وأكد أن إدارة المعمل تنتظر الوصول إلى حلول عملية تحقق مصلحة المدينة، بالتوازي مع تسديد مستحقاتها المالية، بما يسمح باستكمال المشروع وتطويره.
كما رحّب السيد بالنقاش حول تعديل دفتر الشروط ووضع صيغة جديدة للتكلفة وآلية التشغيل، معتبراً أن الاتفاق على شروط واضحة ومتوازنة يمكن أن يشكل مدخلاً لمعالجة الخلافات.
لكنه شدد على ضرورة الفصل بين أي تعديل مستقبلي وبين المستحقات السابقة، موضحاً أن الإدارة مستعدة للتفاوض على سعر جديد لمعالجة الطن الواحد، شرط ألا يُطبّق أي تخفيض بأثر رجعي على السنوات التي لم تحصل خلالها الشركة على مستحقاتها.
وطالب بأن يكون السعر الجديد مقبولاً من جميع الأطراف، بما يراعي مصالح الحكومة والبلدية والمعمل، داعياً الحكومة اللبنانية إلى إرسال شركة محاسبة متخصصة لتقدير الكلفة الفعلية لمعالجة الطن الواحد، ووضع أساس مهني وشفاف لأي اتفاق جديد.
خطة طوارئ جاهزة… ولكن بشروط
وعن إمكان وضع خطة طوارئ عاجلة لوقف تفاقم الأزمة، أكد "السيد" أن الخطة جاهزة، لكنه ربط البدء بتنفيذها بتوافر مجموعة من الشروط، في مقدمتها موافقة المجلس البلدي، وتفعيل الرقابة، والاستعانة بخبراء واستشاريين وتقنيين، إلى جانب التعاون بين الجهات المعنية، وضمان الحقوق والواجبات المتبادلة.
وشدد على أن تأمين المستحقات المالية يبقى شرطاً أساسياً للانطلاق، لأن أي خطة، مهما كانت جيدة على الورق، لن تحقق أهدافها إذا لم تتوافر لها الموارد اللازمة.
ويشير هذا الموقف إلى أن الحل، وفق رؤية إدارة المعمل، لا يقتصر على زيادة ساعات العمل أو استقبال كميات أكبر من النفايات، بل يتطلب إعادة تنظيم العلاقة بين مختلف الأطراف، وتحديد المسؤوليات، وتأمين التمويل، ومراقبة التنفيذ وفق معايير واضحة.
النزوح والحروب ضاعفا الضغط على المدينة
ولفت السيد إلى أن موجات النزوح والحروب تركت أثراً كبيراً على ملف النفايات، نتيجة الزيادة في عدد السكان الموجودين في صيدا ومحيطها.
و يبقى السؤال مفتوحاً: هل تصل المستحقات وتُنفَّذ الخطة، فتفي الإدارة بوعد السنتين؟ وهل يتحول الجبل من عنوان للأزمة إلى ذكرى؟ «بوابة صيدا» ستتابع الملف.
ثم كانت لنا جولة في أقسام المعمل، اطلعنا خلالها على عمل المعدات والآلات، والتقينا عدداً من الموظفين والعمال، الذين يعملون رغم كل شيء... ينتظرون دفعةً متأخرة، ووعداً لم يصل بعد.















