قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
في صفحات التاريخ الإسلامي المضيئة، تبرز شخصيات تركت بصمات لا تُمحى في الفقه والعلم والأخلاق، ويأتي في مقدمتها الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي، العالم الجليل الذي سكن قلب الشام وربط حياته بالثغور والجهاد والعدل، حتى غدا رمح الحق في وجه الجور وسيد بيروت الذي شيّدت على ذكراه معالم المدينة وتاريخها.
النشأة والبدايات: من بعلبك اليتيمة إلى ثغور بيروت
وُلد الإمام الأوزاعي سنة 88 هـ في مدينة بعلبك اللبنانية، وعاش طفولة يتيمة فقيرة في قرية "الكرك" البقاعية، قبل أن يرتحل مع أمه إلى بيروت، مروراً بدمشق وحلب وحماة وقنسرين.
ويعود لقب "الأوزاعي" نسبة إلى "الأوزاع"، وهي قبيلة يمنية حميرية نزل فريق منها قرب باب الفراديس بدمشق، فأُطلق اسم القرية على المحلة التي استقروا فيها.
وقد رزق بثلاث بنات وصبي واحد، وعاش حقبة سياسية كبرى عاصر خلالها نهاية الخلافة الأموية وبداية العصر العباسي، متلقياً العلم على أيدي كبار علماء عصره أمثال مالك بن أنس، وأبي حنيفة النعمان، والحسن البصري، وجعفر الصادق.
نبوغ مبكر وفقه عابر للآفاق
تميز الأوزاعي بجرأة علمية وفقهية لفتت الأنظار، إذ أفتى في المسائل الفقهية وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وتصدى للمسائل العقائدية وهو في السابعة عشرة. ومارس "الرحلة في طلب العلم" ارتحالاً بين مدن الشام، واليمامة، والبصرة، والمدينة المنورة، وبيت المقدس. وقد استقر في ثغر بيروت مرابطاً ومدافعاً عن ديار الإسلام ورد الاعتداءات، فكانت تلك الفترة أثمن سني حياته وأغزرها إنتاجاً، إذ طوّر فيها مذهبه الفقهي الذي انتشر في الشام والمغرب والأندلس ليصبح خامس مذاهب أهل السنة والجماعة، قبل أن يندثر لاحقاً لعدم تدوينه كبقية المذاهب وحلول المذاهب الحنفي والمالكي والشافعي مكانه.
صراع مع الجور ونصيحة الحكام بلا مهابة
عُرف الأوزاعي بشجاعته الفريدة في قول الحق ورفض الانصياع للظلم. فعندما استدعى الوالي العباسي عبد الله بن علي الأوزاعي إلى دمشق سنة 134 هـ محاطاً بجنده وسيوفهم مصلتة، واجهه الأوزاعي بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مقرراً العدل والإنصاف، ورافضاً إباحة دماء بني أمية أو أموالهم بغير وجه حق، كما ناقشه في أحكام الخلافة بحكمة وجرأة ألجمت الوالي.
ولم يتوانَ يوماً عن نصرة المظلومين، فحين أقدم الوالي صالح بن علي على إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ظلماً، تصدى له الأوزاعي برسالة بليغة يُذكره فيها بحكم الله القائل بأن لا تزر وازرة وزر أخرى وبوصايا النبي صلى الله عليه وسلم في حماية المعاهدين والأحرار.
وبلغ من إجلال الخلفاء له أن الخليفة أبا جعفر المنصور كان يُعظمه ويصغي لوعظه، بل ويحتفظ برسائله البليغة ويفسح المجال لفداء أسرى المسلمين نزولاً عند رغبته.
ورغم مكانته، فقد رفض تولي القضاء طوال حياته سوى مجلس واحد في زمن يزيد بن الوليد استعفى بعده فوراً إدراكاً منه لخطورة المسؤولية.
مؤلفاته وموروثه العلمي العظيم
لم يترك الأوزاعي كتباً كثيرة، ويعود ذلك لضياع جزء كبير منها إثر زلزلة "الرجفة" العظيمة التي ضربت الشام سنة 130 هـ وأهلكت الخلق، مع عزوفه عن إعادة كتابتها رغم أنه أول من دوّن العلم بالشام. غير أن كتب السير حفظت له آثاراً ومصنفات مثل "مسند الإمام الأوزاعي"، وكتابي "السنن في الفقه" و"المسائل في الفقه". كما تناقل الناس مواعظه الخالدة، كقوله الشهير: "إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل"، وتأكيده على لزوم الجماعة واتباع السنة وعمارة المساجد.
وفاته
في يوم الأحد 28 صفر سنة 157هـ، وافت المنية الإمام الأوزاعي مختنقاً في حمام منزله بعدما أغلقت زوجته باب الحمام غير متعمدة لتدفئته، فاستقبل القبلة ومات زاهداً لم يترك خلفه سوى سبعة دنانير ولا دار ولا أرض. وقد شُيّعت جنازته في مشهد مهيب لمهابته وعدالته، حيث سار في تشييعه أبناء الأديان الأربعة: المسلمون واليهود والنصارى والقبط.
دُفن في قرية "حنتوس" جنوب بيروت، حيث بُني بجانب قبره مسجد ومقام حمل اسمه، وتحولت القرية بمرور الزمن لتصبح "منطقة الأوزاعي" الشهيرة وجزءاً أساسياً من بيروت الكبرى، خالدة بذكرى إمام طبع تاريخ المدينة بطهره وعدله وعلِمه.
ـــــــــــ
إقرأ أيضاً