رأي الموقع ـ خاص بوابة صيدا
في أروقة صناعة القرار الأمني والسياسي في تل أبيب، لا توجد "أزمات طارئة" تُترك للصدف، بل توجد "فرص استراتيجية" تنتظر من يلتقطها ويُعيد صياغتها لتغيير المعادلات.
وحادثة الاختراق الخطير لقمرة قيادة طائرة "فلاي دبي" المسجلة إماراتياً، والتي كانت تُقلّ ركاب إسرائيليين وهبطت اضطرارياً في تبوك، تُمثّل بالنسبة للقيادة الإسرائيلية الحاكمة اللحظة المثالية لإعادة رسم خريطة التهديدات الإقليمية وتغيير قواعد الاشتباك الشاملة مع خصومها.
تستند الرؤية الإسرائيلية في إدارة هذه الحادثة إلى محددات استراتيجية وأمنية دقيقة تسعى لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة:
صناعة "سردية 11 سبتمبر جديدة"
تدرك القيادة الإسرائيلية أن تصوير الحادثة مجرد "مشادة كلامية" أو "خلل مسلكي" داخل قمرة القيادة يفقدها زخمها السياسي، لذا فإن الهدف الأول هو تقويض سردية الروايات التخفيفية التي يحاول البعض ترويجها لتحجيم الحدث، كاختزال الأمر في "خلاف فردي" أو "عارض أمني محلي".
بدلاً من ذلك، تُركّز تل أبيب على ضخ مفهوم "الإرهاب الجوي العابر للحدود" (قبل أن يبدأ التحقيق السعودي والإماراتي في الحادثة) وترسيخ مقولة أن الشرق الأوسط يقف أمام نسخة مصغّرة ومطوّرة من أحداث 11 سبتمبر 2001.
فمساعد الطيار الذي يسيطر على مقاليد طائرة تجارية مدنية وعلى متنها عشرات الإسرائيليين بهدف تحطيمها أو تحويلها إلى سلاح قتل جماعي، ليس مجرد فرد منفذ، بل هو "صورة متجددة لمهندسي هجمات سبتمبر".
هذه الصياغة تهدف إلى نقل الحادث من نطاق "قانون الطيران والتحقيقات المحلية" إلى نطاق "الأمن القومي الدولي والمواجهة الشاملة مع الإرهاب".
تحديد خريطة الاتهام
في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، لا يُنظر إلى المنفذ بذاته إلا كأداة، والهدف هو ربط الخيوط بالأطراف الراعية والمستفيدة:
إيران (الرأس المدبر والمحرك): تتجه الأصابع الإسرائيلية فوراً نحو طهران باعتبارها الموجه والأيدولوجيا المحركة لمثل هذه المحاولات، وربط العمل بمخطط إيراني أوسع يستهدف ضرب مسار "التطبيع"، واستهداف الرعايا الإسرائيليين في أجواء المنطقة.
أذرع إيران: الربط المباشر بين الحادثة وأذرع إيران الميدانية، حزب الله، حماس، الجهاد الإسلامي، الحشد الشعبي، انصار الله (الحوثيين)، التنظيمات التي تُتهم بالنشاط في الثغرات الأمنية الإقليمية، لإظهار أن هناك شبكة معقدة تستغل قمرات القيادة والمؤسسات المدنية لشن هجمات نوعية.
الضغط على الدول: استغلال جنسية المشتبه به وخط سير الرحلة لممارسة ضغوط أمنية ودبلوماسية مكثفة على العواصم المعنية لفرض معايير تدقيق أمني صارمة على الطواقم والكوادر ذات الأصول الإقليمية، واشتراط مشاركة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في التحقيقات ونقل المتهمين.
إقناع إدارة ترامب
يمثل وجود إدارة الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض فرصة نموذجية لتسويق هذا التحول، إذ تعتمد إسرائيل في خطابها الموجه لواشنطن على المفاتيح التي تؤثر في القرار الأمريكي:
تأكيد أن استهداف خطوط الطيران المدني التي تحمل رعايا حلفاء واشنطن يهدد الملاحة الجوية الاقتصادية والتجارية العالمية، ويمس المصالح الأمريكية المباشرة في الخليج.
تقديم الحادثة للرئيس ترامب باعتبارها خطاً أحمر يتطلب رداً حازماً ومباشراً، عبر توجيه ضربات عسكرية استباقية ضد كل من يثبت (من منظور إسرائيلي) تورطه بشكل مباشر، أو بالدعم، سواء الفكري أو اللوجستي للمنفذ..
توجيه الرسائل السياسية والأمنية
تسعى القيادة الإسرائيلية من خلال استغلال هذا الحدث إلى توجيه رسائل متعددة الاتجاهات:
* للداخل الإسرائيلي: إظهار الحزم المطلق والتأكيد للمجتمع الإسرائيلي أن الحكومة تخوض معركة لا تهاون فيها لحماية أمن مواطنيها في أي مكان بالعالم، مع المطالبة الصارمة بتسليم أي مشتبه به للمحاكمة داخل "إسرائيل" حصراً (كما يعكس موقف القيادات الأمنية والسياسية المشددة).
* للدول الموقعة على اتفاقية "إبراهام": إرسال رسالة مفادها أن الشراكة الإقليمية يجب أن تتجاوز الاقتصاد لتصل إلى "تحالف أمني صلب ومكشوف"، تكون لإسرائيل فيه اليد الطولى في الإشراف على ترتيبات الطيران والأمن الوقائي.
* للمجتمع الدولي: التأكيد على أن التساهل مع التنظيمات، والفاعلين من غير الدول في المنطقة يهدد الأمن السلمي العالمي، وأن "سلاح الطيران المدني" قد يعود ليشكل الخطر الأكبر على العواصم الغربية إن لم يتم التعامل مع هذه الحادثة كإنذار مبكر وشديد الخطورة.
لكن، نقاط الضعف البنيوية في السردية الإسرائيلية واضحة جداً، ولا يمكن تمريرها، أقلها في الوقت الحالي..
أولاً، سلطة التحقيق ليست في يد إسرائيل. الطائرة إماراتية، مكان الهبوط سعودي، المشتبه به محتجز ويُحقَّق معه في السعودية.. الإمارات والسعودية وإسرائيل جميعاً يحققون، لكن إسرائيل لا تستطيع فرض استنتاجاتها من جانب واحد... إذا خلص التحقيق السعودي أو الإماراتي إلى "نزاع فردي"، ستواجه السردية الإسرائيلية حرجاً.
ثانياً، الاستهلاك المفرط لقصة "السبّاك"، حين روى ترامب القصة بأسلوب أقرب إلى السخرية، أضعف دون قصد جدية السردية الإسرائيلية. سبّاك تعلم قيادة الطائرة من مشاهدة فيلم وثائقي عن حوادث الطيران، الحبكة مثالية أكثر من اللازم، ما يثير الشك في صحتها. و السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي تعبير غريزي عن هذا الضعف.
ثالثاً، تضيّق النافذة الزمنية. الانتخابات الإسرائيلية مقررة في 27 تشرين الأول / أكتوبر. إذا خلص التحقيق قبل الانتخابات إلى نتائج تتعارض مع السردية الرسمية الإسرائيلية، أو إذا لم تتحقق "أدلة" التهديد الإيراني، فسيتلاشى تأثير السردية مع الوقت.