عبد الباسط ترجمان ـ بوابة صيدا
ليس أصعب على مدينة من أن تشعر بأنها متروكة، ليس أصعب على المواطن من أن يستيقظ فلا كهرباء، ثم ينتظر الماء فلا يأتي، ثم يبحث عن حلّ فيشتري ما يُفترض أن يحصل عليه كخدمة عامة، ويدفع من جيبه مرة بعد مرة، فيما تبقى الدولة حاضرة في الفواتير والرسوم، وغائبة عندما يحين موعد تقديم أبسط حقوقه.
هذا هو حال صيدا اليوم، مدينة تُرهقها العتمة، ويثقلها العطش، وتستنزفها كلفة الخدمات البديلة، بينما المواطن يسأل: إلى متى؟
القضية لم تعد مجرد تقنين كهربائي، فانقطاع الكهرباء في صيدا لم يعد يعني أن "اللمبة" ستنطفئ فحسب، بل يعني أن المياه ستتراجع أو تنقطع أيضًا.
ومؤسسة مياه لبنان الجنوبي أعلنت في أكثر من مناسبة أن التغذية المائية في صيدا تتأثر بصورة مباشرة بانقطاع خط الخدمات الكهربائي، وأن تشغيل المولدات لا يكفي لتأمين الكميات المطلوبة من المياه.
أي أن المواطن أصبح عالقًا في دائرة مغلقة:
لا كهرباء... فلا ضخ كافٍ للمياه،
ولا ماء... إلا إذا لجأ إلى حلول بديلة،
ولا حلول بديلة... إلا بكلفة إضافية،
وهكذا يدفع الصيداوي ثمن الأزمة من جيبه، ثم يدفع ثمن محاولته تجاوزها أيضًا.
لكن إلى أي حد يستطيع المواطن أن يتحمل؟ هل المطلوب منه أن يتحول إلى مؤسسة خدمات خاصة، تؤمن لنفسها الكهرباء والمياه وكل ما عجزت الدولة عن تأمينه؟
وهل أصبح المواطن الصيداوي مطالبًا بأن يدفع للدولة، ثم يدفع للقطاع الخاص، ثم يدفع مرة ثالثة كي يعالج نتائج فشل الخدمات العامة؟
صيدا لا تطلب معروفًا، و لا امتيازاً.. ولا أن تعامل معاملة استثنائية، هي تطلب أن تُعامل كمدينة لبنانية لها حقوقها، لا كمنطقة يمكن تأجيل مشاكلها إلى إشعار آخر.
و هنا نطرح السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: أين نواب صيدا؟ أين القوى السياسية؟ أين الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية؟ أين المرجعيات القادرة على الوصول إلى الوزارات ومؤسسات الدولة؟ وأين الضغط الحقيقي عندما يتعلق الأمر بحقوق المدينة؟
نعم، هناك من تحرك وتحدث واتصل، لكن المشكلة أن المواطن لا يعيش على الاتصالات والتحذيرات، المواطن يريد نتيجة، يريد أن يفتح "الحنفية" فيجد الماء، يريد أن يعرف متى تأتي الكهرباء، يريد خطة واضحة، يريد جهة مسؤولة، ويريد جدولًا زمنيًا للحل.
فالبيان السياسي مهم، والاتصال بالوزير مهم، لكن الأهم منهما أن يشعر الناس بأن شيئًا تغير على الأرض، فالمطلوب ليس بيانًا... بل معركة حقوق.. و صيدا بحاجة اليوم إلى ما هو أبعد من ردود الفعل، بحاجة إلى ملف صيداوي موحد.
ملف يضم الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنفايات والطرقات والبنى التحتية وسائر الخدمات الأساسية، ملف يوضع أمام الحكومة والوزارات والمؤسسات المعنية، ويُتابع يومياً... أما أن تبقى المدينة في دائرة: "نعمل على المعالجة"... "أجرينا اتصالات"... "الموضوع قيد المتابعة"... فهذا لم يعد كافيًا..
ونقول لنواب المدينة وفعالياتها: تحركوا، اجلسوا معاً، ضعوا خلافاتكم جانباً، اتفقوا على ملف واحد، اذهبوا به إلى الحكومة، طالبوا، فاوضوا، اضغطوا، اسألوا... وإذا لم يَستجب أحد، قولوا للناس من الذي لم يستجب، فالناس لا تريد أن تعرف من انتصر في السجالات السياسية، الناس تريد أن تعرف: متى ستعود الكهرباء؟ متى ستنتظم المياه؟ ومن المسؤول عن إيجاد الحل؟ فلا تجعلوا صيدا تدفع ثمن صمتها..
هناك مدن ومناطق ترفع الصوت عندما تتعرض لأي خلل في الخدمات، وهناك مناطق تتحول مطالبها بسرعة إلى قضية سياسية على طاولة الحكومة. فلماذا لا تكون صيدا كذلك؟
المطلوب أن تعرف الدولة أن صيدا تُراقِب، وتسأل، وتُطالب بحقوقها، وهي ليست مجرد رقم على خارطة لبنان، وليست مدينة هامشية، وليست مجموعة أحياء يمكن أن تنتظر حتى تنتهي أزمات الآخرين، إنها مدينة لها تاريخها، وموقعها، واقتصادها، ومؤسساتها، وأهلها الذين يدفعون ما عليهم، ومن حق هؤلاء أن يسألوا: ماذا أخذنا في المقابل؟
كلمة إلى أهل صيدا
لا تسكتوا عن حقكم، لكن لا تجعلوا غضبكم يتحول إلى فوضى، فالحق لا يُسترد بالصمت، كما أن المدينة لا تُنقذ بالشكوى وحدها، وصيدا اليوم تحتاج إلى موقف واضح من كل من يتولى تمثيلها... إذا لم تدافعوا أنتم عن حقوق صيدا... فمن سيدافع؟
صيدا لا تريد وعودًا جديدة... صيدا تريد حقها فقط...