بوابة صيدا
في عام إحدى وتسعين للهجرة، تتجه الأنظار نحو المدينة المنورة، حيث يحلّ أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك زاهداً وعابداً في طريقه إلى بيت الله الحرام. لم تكن زيارته للمسجد النبوي الشريف مجرد محطة في رحلته، بل كانت بداية لفصل جديد في تاريخ هذا المكان المقدس، إذ حمل الخليفة في صدره عزماً أكيداً على توسعته ليبلغ مائتي ذراع.
ولكي يستجلي الخليفة الرؤية ويتأمل أرجاء المسجد بأناة، صَدَر الأمر بإخلاء الساحة النبوية الشريفة من المصلين والمارة. وبينما غادر الجميع تلبية للأمر، بقي في ناحية من صحن المسجد شيخٌ جليل، ثابتاً في مكانه كأنه جبل أشم.
لم يكن ذلك الشيخ سوى عالم المدينة وإمامها، التابعي الجليل "سعيد بن المسيب" رحمه الله، الذي لم يجرؤ الحراس من مهابته على الاقتراب منه أو إجباره على الخروج.
أمام هذا المشهد الحرج، وشعوراً بوطأة الموقف وشدة الخليفة، سارع والي المدينة آنذاك، "عمر بن عبد العزيز"، بإرسال رسول يتلطف للشيخ بالقول: "لو خرجت من المسجد كما خرج الناس؟".
فجاءه رد ابن المسيب حازماً بلا تردد: "لا أغادر المسجد إلا في الوقت الذي اعتادت قدماي أن تغادراه كل يوم".
تدخّل الحراس محاولين إيجاد مخرج يرضي الطرفين: "فلو قمت إذن وسلّمت على أمير المؤمنين؟".
وهنا تجلت عزة الإيمان في أبهى صورها حين أجابهم الشيخ: "إنما جئت إلى هنا لأقوم لرب العالمين.. لا لأمير المؤمنين".
تلقى عمر بن عبد العزيز الجواب، وكان يعلم ـ ومعه العالم الفاضل رجاء بن حيوة ـ ما قد يطرأ على الخليفة من غضب إن رأى هذا الإعراض. فبدآ بمناورة ذكية، حيث أخذ عمر يميل بالوليد ويبعده عن الناحية التي يجلس فيها سعيد، بينما شغل رجاء بن حيوة ذهن الخليفة بأحاديث متفرقة. غير أن عين الخليفة لمحته، فالتفت إليهما متسائلاً: "من ذلك الشيخ الجالس هناك؟ أليس هو سعيد بن المسيب؟".
أجاباه متلمسَيْن للشيخ العذر: "بلى يا أمير المؤمنين، هو بعينه". وطفقا يفيضان في ذكر مناقبه، يستعرضان ورعه، وغزارة علمه، وتقواه الواسعة، ثم أردفا بذكاء لحماية الشيخ: "والله لو علم بمكان أمير المؤمنين لقام إليك وسلّم عليك، ولكن سنّه كبرت، ونور بصره قد ضعف".
لم يزد هذا الاعتذار الخليفةَ إلا إجلالاً للشيخ، فقال الوليد بروح تقدّر أهل الفضل: "إني لأعلم من حاله وفضله مثلما تذكران، وهو أحق بأن نأتيه نحن ونسلّم عليه".
عدّل الخليفة مساره، وتوجه بمهابة الملك نحو زاوية العالم، حتى وقف عليه وحيّاه بلطف: "كيف حال الشيخ؟".
لم يفزع سعيد، ولم ينهض من مجلسه للسطوة أو الهيبة، بل رفع رأسه بثبات قائلاً: "بنعمة من الله، وله الحمد والمنة". ثم أتبعها بالدعاء للصالح العام: "وكيف حال أمير المؤمنين؟ وفقه الله لما يحبه ويرضاه".
انصرف الخليفة الوليد بن عبد الملك وقلبه مفعم بالمهابة والإعجاب، ملتفتاً إلى من حوله وهو يردد كلمته الخالدة: "هذا بقية الناس.. هذا بقية سلف هذه الأمة".
(المصادر: سير أعلام النبلاء _ الكامل في التاريخ _ البداية والنهاية _ صفة الصفوة)
ـــــــــــــــ
إقرأ أيضاً