قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا ـ شهادات العهد القديم على تاريخ بني إسرائيل
11وَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ وَعَبَدُوا الْبَعْلِيمَ. 12وَتَرَكُوا الرَّبَّ إِلهَ آبَائِهِمِ الَّذِي أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَسَارُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى مِنْ آلِهَةِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ حَوْلَهُمْ، وَسَجَدُوا لَهَا وَأَغَاظُوا الرَّبَّ. 13 تَرَكُوا الرَّبَّ وَعَبَدُوا الْبَعْلَ وَعَشْتَارُوثَ. 14فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَدَفَعَهُمْ بِأَيْدِي نَاهِبِينَ نَهَبُوهُمْ، وَبَاعَهُمْ بِيَدِ أَعْدَائِهِمْ حَوْلَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا بَعْدُ عَلَى الْوُقُوفِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ. 15حَيْثُمَا خَرَجُوا كَانَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ لِلشَّرِّ، كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ وَكَمَا أَقْسَمَ الرَّبُّ لَهُمْ. فَضَاقَ بِهِمُ الأَمْرُ جِدًّا.
قراءة نقدية في سفر قضاة 2 : 11 – 15 عبر التفاسير اليهودية
يقدم سفر القضاة (2 : 11 – 15) مشهدًا كئيبًا من تاريخ بني إسرائيل بعد أن استقروا في أرض كنعان: شعب أنقذه الله من العبودية في مصر، لكنه سرعان ما تخلى عن دين أجداده واتبع البعل وعشتاروت. وكانت النتيجة غضبًا شديدًا من الله، حيث سحب حمايتهم وترك أعداءً يُسلطون عليهم حتى أصبحت حياتهم لا تطاق.
الشر في نظر الله
الحاخام شلومو يتسحاقي، المعروف اختصارًا بـ"راشي"، وهو أبرز مفسري التوراة والتلمود في التاريخ اليهودي، يفسر: " وَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ وَعَبَدُوا الْبَعْلِيمَ" – أي أنهم تركوا الله وعبدوا الأصنام."
راشي يوضح الأمر بدقة: الشر هنا ليس مجرد خطيئة أخلاقية، بل هو انفصال تام عن الله، خيانة للعهد، وعبادة للأوثان التي حرمها الرب.
راشي، الذي يركز عادة على شرح الكلمات الصعبة والقواعد اللغوية أكثر من الجوانب الفكرية، لم يطيل التعليق على هذه الآيات بالتحديد (11 - 14)، ولكنه يفسر ما يأتي بعدها مباشرة مثل كلمة "من أنينهم" (18... لأَنَّ الرَّبَّ نَدِمَ مِنْ أَجْلِ أَنِينِهِمْ بِسَبَبِ مُضَايِقِيهِمْ وَزَاحِمِيهِمْ) التي تشير إلى آهات إسرائيل التي كانت تصل إلى الله بسبب أعدائهم.
يقول راداك، أحد أبرز مفسري التناخ وعلماء اللغة، إن عبادة البعليم كانت تمثل الشمس، وعشتاروث مثلت القمر والنجوم، موضحاً أن بني إسرائيل انجذبوا لعبادة الطبيعة والنجوم ناسين أن الرب خالقها، وهذا الانحراف لم يكن مجرد تقليد للشعوب المجاورة بل تحدياً مباشراً للرب الذي حذرهم مراراً من عبادة جند السماء.
يضيف راداك أن كلمة البعليم وردت بصيغة الجمع لأن كل صنم كان يعتبر سيداً أو "أدون (رب)" لعابديه في مكانه، فكل مدينة كانت تعبد بعلها الخاص، مما أدى لتعدد الأسماء رغم أنها تشير لنفس فكرة الإله السيد.
أما عشتاروث، فيذكر راداك رأياً مثيراً بأن تماثيلها كانت تصنع على هيئة نعاج أي أغنام إناث.
يرى مالبيم (الحاخام مئير ليبوش بن يحيئيل) أن قوله "وَبَاعَهُمْ بِيَدِ أَعْدَائِهِمْ" يعني رفع الرب عنايته عنهم فصاروا مسلّمين لأعدائهم، معتبراً أن العقاب ليس انتقاماً بل نتيجة طبيعية لعصيانهم، حيث رفع الرب حمايتهم ففقدوا قوتهم أمام خصومهم، وهذه دورة متكررة في سفر القضاة: خطيئة، غضب، تسلط الأعداء، ضيق، ثم خلاص.
و في شرحه لآية مشابهة في "قضاة 10"، يوضح مالبيم أن بني إسرائيل ظنوا أنهم لم يتركوا الرب فعلياً بل اعتبروا البعل مجرد وسيط بينهم وبين الله، وهذا يفسر لماذا يذكر البعل تحديداً من بين كل الأصنام.
تقدم "يشيفا هار عتسيون"، المدرسة الدينية اليهودية الأرثوذكسية الصهيونية في غوش عتصيون، دراسة معاصرة تقارن بين استجابة الرب هنا وقصة الخروج من مصر، ملاحظة أن النص لا يذكر أن بني إسرائيل صرخوا إلى الرب أو تابوا، بل فقط أن أنينهم وصل إليه فتحرك برحمته بدون توبة صريحة مسبقة، مما يميز مرحلة القضاة الأولى عن باقي قصص السفر.
و يقرر التلمود قاعدة عامة بأن كل موضع قيل فيه "وَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الشَّرَّ" فهو عبادة الأصنام، مؤكداً أن الشر في سفر القضاة يعني دائماً ارتداداً شاملاً وخيانة للعهد وليس خطايا صغيرة.
ويشرح الحاخامان "رباه" و "تانحوما" في "المدراش" أن عبادة البعل وعشتاروث كانت خيانة للعهد، وأن الله سلط الأعداء عليهم كعقوبة تربوية ليعودوا للتوبة، فالبيع بيد الأعداء لم يكن تخلياً نهائياً بل وسيلة لإيقاظ الشعب من غفلته.
يضيف "المدراش" (المدراش: منهج يهودي قديم لتفسير نصوص التناخ (العهد القديم)، ويُطلق أيضاً على مجموعات الكتب التي تضم هذه الشروح والقصص) تعليقاً مشهوراً للحاخام" أبا بار كهانا" حول عبارة "وَتَرَكُوا الرَّبَّ وَلَمْ يَعْبُدُوهُ" (سفر القضاة 10: 6) حيث يشبه الله الوضع بملك رفض أن يشرك عبده في خدمة ملك آخر حتى لو استمر في خدمة الملك الأول، مشيراً إلى أن المشكلة لم تكن مجرد عبادة الأصنام بل عدم الاكتفاء بخدمة الله وحده حتى مع محاولة الجمع بين الاثنين.
ويتكرر هذا النمط في نصوص توراتية أخرى، ففي سفر التثنية 28: 20 "يُرْسِلُ الرَّبُّ عَلَيْكَ اللَّعْنَ وَالاضْطِرَابَ وَالزَّجْرَ فِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ لِتَعْمَلَهُ، حَتَّى تَهْلِكَ وَتَفْنَى سَرِيعًا مِنْ أَجْلِ سُوْءِ أَفْعَالِكَ إِذْ تَرَكْتَنِي"
وفي سفر إرميا 2 : 13، يوصف الشعب بأنه عمل شرين: "لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً".
هذه النصوص تؤكد أن ترك الرب وعبادة الأصنام يؤدي حتماً إلى غضب إلهي وضياع وهلاك.
الخلاصة النقدية:
* ترك بني إسرائيل الرب رغم أنه خلصهم من مصر.
* في التفسيرات اليهودية، الشر يُعبّر دائماً عن عبادة الأصنام. البعل وعشتاروت يمثلان عبادة الطبيعة والغرائز، وهو انحراف عن عبادة الخالق.
* غضب الرب تجلى في رفع الحماية الإلهية وتسليط الأعداء، وكان العقاب وسيلة لإعادتهم للتوبة، لكنه كشف أيضاً عمق خيانتهم للعهد.
في الختام، هناك فكرة متكررة في الشروح الكلاسيكية للعهد القديم "طالما أن بني إسرائيل تركوا الرب طواعية، فإن الرب يتركهم لأعدائهم" وهذا يعكس مبدأ العدل الإلهي التصويري الشائع في الفكر الرباني (حسب منطق العهد القديم) حيث تكون طبيعة العقاب انعكاساً لطبيعة الذنب، وليست عقوبة عشوائية.
ـــــــــــــ
إقرأ أيضاً