بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين - الدكتور وسيم وني
لا تقف أهمية الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول عند حدود تحديد هوية رئيس الحكومة المقبلة بل تتجاوزها إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: هل تستطيع صناديق الاقتراع إنتاج تحول سياسي يضع حداً لسياسات الحرب والاستيطان وإنكار الحقوق الفلسطينية أم أن التنافس الحزبي سيقتصر على إعادة توزيع السلطة داخل منظومة تتمسك بجوهر النهج القائم؟
فبعد حرب مدمرة على قطاع غزة وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية واتساع عزلة كيان الاحتلال على الساحة الدولية تبدو الانتخابات اختباراً لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على مراجعة خياراته، لا مجرد مناسبة لتبديل القيادة وبالنسبة إلى أبناء شعبنا الفلسطيني لا تكمن المسألة في اسم الفائز بل في طبيعة المشروع الذي سيحمله ومدى استعداده للاعتراف بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بإدامة الاحتلال وأن القوة العسكرية لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً من الحل السياسي.
"بين سقوط نتنياهو واستمرار النهج"
تتعدد الاحتمالات أمام الناخب الإسرائيلي من بقاء بنيامين نتنياهو في الحكم إلى وصول المعارضة وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة تفرضها الحسابات البرلمانية غير أن تعدد السيناريوهات لا يعني بالضرورة تعدد الخيارات الاستراتيجية إذ قد تتغير التحالفات وتتبدل الوجوه فيما تبقى السياسات المتعلقة بأبناء شعبنا أسيرة الرؤية ذاتها ، فالتراجع المحتمل لنتنياهو لا يعني تلقائياً تراجع اليمين كما أن الإستياء من إخفاقاته لا يثبت وجود تحول مجتمعي رافض للحرب والاستيطان وقد يخرج من الانتخابات بترتيب سياسي مختلف أو تتمكن قوى المعارضة من إبعاده من دون أن تمتلك رؤية واضحة لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بحق شعبنا الفلسطيني في تقرير مصيره.
وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: قد تنجح الانتخابات في تغيير صاحب القرار لكنها قد تعجز عن تغيير القرار نفسه فالمعيار الحقيقي لأي تحول لا يتمثل في خسارة حزب أو فوز آخر بل في الانتقال من سياسة فرض الوقائع بالقوة إلى مسار سياسي يعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية ويضع حداً لمصادرة الأرض وتوسيع الاستيطان.
"المعارضة والقوائم العربية.. شراكة تحكمها الحسابات"
تكتسب أصوات أبناء شعبنا الفلسطيني داخل أراضي 48 أهمية خاصة في معادلة تشكيل الحكومة إذ يمكن أن تؤثر في موازين القوى وتحدد فرص المعارضة في الوصول إلى السلطة لكن هذه الأهمية الانتخابية تصطدم بتردد قطاعات من المعارضة الإسرائيلية في التعامل مع الأحزاب العربية بوصفها شريكاً سياسياً متكافئاً ، ويكشف هذا التناقض حدود الخطاب الذي يرفع شعار التغيير من دون أن يحسم موقفه من المساواة والشراكة السياسية فبينما يسعى جزء من المعارضة إلى إنهاء حقبة نتنياهو واستعادة الاستقرار وتحسين صورة إسرائيل الخارجية تتطلع الأحزاب العربية إلى مواجهة العنصرية والتمييز والجريمة والدفاع عن حقوق مجتمعاتها ومكانتها المدنية والوطنية.
قد يلتقي الطرفان على ضرورة إسقاط الحكومة لكن هذا التقاطع لا يكفي وحده لصناعة مشروع مشترك فالمشاركة العربية الفاعلة ينبغي ألا تتحول إلى مجرد أصوات تُستدعى عند الحاجة ثم تُستبعد عند توزيع النفوذ بل يجب أن تستند إلى مطالب واضحة وضمانات سياسية تتجاوز الحسابات العددية ، ومع ذلك فإن أي دور حاسم للأحزاب العربية في تشكيل حكومة جديدة لا يعني تلقائياً حدوث تحول في السياسة الإسرائيلية تجاه شعبنا الفلسطيني فالمعيار يبقى في المواقف العملية من الاحتلال والاستيطان والحرب على غزة وحق شعبنا الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، لا في قدرة المعارضة على جمع الأصوات وإقصاء نتنياهو.
"حكومة الوحدة.. تبديل الأسلوب أم مراجعة المسار؟"
إذا أخفقت المعسكرات المتنافسة في تأمين أغلبية مستقرة فقد تبرز حكومة الوحدة باعتبارها مخرجاً من الانسداد السياسي وقد تتيح هذه الصيغة إبعاد شخصيات اليمين الأكثر تطرفاً، وتخفيف حدة الخطاب الداخلي وإعادة ترتيب العلاقات الخارجية التي تضررت بفعل الحرب والسياسات المتشددة ، لكن استبعاد بعض الوجوه المتطرفة لا يكفي لإثبات تغير الاتجاه العام فقد تعتمد الحكومة الجديدة لغة أكثر اعتدالاً وتحرص على تحسين صورتها الدولية بينما تستمر على الأرض سياسات الاستيطان والسيطرة ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وهذا الاحتمال يستدعي قراءة دقيقة لأن تغيير الخطاب قد يمنح كيان الاحتلال مساحة أوسع لاستعادة علاقاته الدولية، من دون أن يقترن بتغيير ملموس في حياة الفلسطينيين وحقوقهم فالاختبار ليس في هوية الشركاء داخل الحكومة وإنما في القرارات التي ستتخذها: هل ستوقف الاستيطان والضم؟ هل ستنهي الحرب والحصار؟ وهل ستفتح طريقاً سياسياً جدياً نحو الحرية والاستقلال؟
إن أي حكومة لا تجيب عملياً عن هذه الأسئلة لن تكون سوى صيغة جديدة لإدارة الأزمة حتى لو بدت أكثر اعتدالاً في تصريحاتها وتحالفاتها.
"أزمة أعمق من صندوق الاقتراع"
لا تنحصر الأزمة الإسرائيلية في شخص نتنياهو أو في طبيعة الائتلاف الحاكم بل ترتبط بالتناقض بين السعي إلى تكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية وحرمان أبناء شعبنا الفلسطيني من حقوقه الوطنية وبين الرغبة في تحقيق الأمن والاستقرار والحفاظ على المكانة الدولية ، فكلما توسعت المستوطنات وتراجعت فرص التسوية ازدادت كلفة استمرار الاحتلال وتعقدت إمكانية الوصول إلى سلام مستدام كما أن التفوق العسكري مهما بلغت قوته لا يمنح شرعية دائمة للسيطرة على شعب آخر ولا يستطيع إلغاء هويته الوطنية أو إنهاء تطلعه إلى الحرية وتقرير المصير.
إن تحويل القوة إلى أداة وحيدة لإدارة الصراع قد يفرض وقائع مؤقتة لكنه لا يصنع مستقبلاً مستقراً ومن هنا فإن أي مراجعة إسرائيلية جادة يجب أن تبدأ بالاعتراف بأن استمرار الاحتلال ليس ضمانة للأمن وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية لا يؤدي إلا إلى تعميق الصراع وتوسيع دائرة تداعياته السياسية والإنسانية.
"القيادة الفلسطينية.. دور ريادي في تحويل التحديات إلى فرص سياسية"
وفي مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإسرائيلي تبرز أهمية الدور الريادي للقيادة الفلسطينية في إدارة المرحلة بحكمة سياسية ورؤية وطنية مسؤولة، قادرة على حماية الثوابت الفلسطينية وصون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعدم ترك مستقبل القضية رهينة للتجاذبات الداخلية الإسرائيلية أو نتائج صناديق الاقتراع.
وتتجلى أهمية هذا الدور في القدرة على تحويل التحديات إلى مسارات للتحرك السياسي الفاعل والاستفادة من التحولات الإقليمية والدولية لتعزيز مكانة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق غير قابلة للتصرف كما تفرض المرحلة تعزيز وحدة الصف الفلسطيني وتوحيد الجهود الوطنية خلف برنامج سياسي جامع بما يرسخ صمود شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ويحمي مشروعنا الوطني الفلسطيني من محاولات التصفية والانتقاص من الحقوق الفلسطينية.
في المحصلة لن تكون الانتخابات الإسرائيلية نقطة تحول حقيقية لمجرد أن نتنياهو خسر السلطة أو لأن حكومة جديدة أبعدت بعض رموز اليمين المتطرف فالتغيير الذي يستحق هذا الاسم هو الذي ينعكس على الأرض بوقف الاستيطان والضم وإنهاء الاحتلال والاعتراف بحق شعبنا الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته ، أما إذا بقيت هذه الحقوق خارج حسابات الفائزين فإن الانتخابات لن تتجاوز حدود المناورة السياسية وتدوير السلطة وستظل الأزمة قائمة مهما تغيرت الأسماء والشعارات فشعبنا الفلسطيني لا ينتظر تبديل الوجوه بقدر ما ينتظر نهاية الاحتلال ولا يبحث عن تحسين إدارة الصراع بل عن إنهائه على أساس العدالة والحقوق الوطنية.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً بعد إغلاق صناديق الاقتراع ليس مَن حكم كيان الاحتلال الاسرائيلي بل هل بدأ عهد جديد يعترف بحق شعبنا الفلسطيني في وطنه أم أن الاحتلال سيواصل إعادة إنتاج نفسه بأدوات ووجوه مختلفة؟