بقلم الدكتورة فاطمة البابا ـ بوابة صيدا
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتشتدّ وطأة الحروب، تبقى فئة المسنّين الأكثر هشاشة أمام تقلّبات الحياة وقسوة الظروف ، فهؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في بناء المجتمعات، يجدون أنفسهم اليوم بحاجةٍ إلى من يحمل عنهم أعباء الشيخوخة، ويصون كرامتهم في أصعب اللحظات.
هنا، يبرز دور الشباب ليس فقط كطاقة حيوية للمستقبل، بل كخطّ دفاع إنساني أول، يعيد التوازن الأخلاقي للمجتمع كما أن تدريب الشباب على رعاية المسنّين لم يعد ترفاً اجتماعياً، بل ضرورة إنسانية ووطنية ملحّة، خاصة في البيئات التي تعاني من النزاعات والحروب.
أولاً: رعاية المسنّين… مسؤولية إنسانية قبل أن تكون اجتماعية:
رعاية كبار السن ليست مجرد تقديم خدمات يومية، بل هي فعل وفاء عميق يعكس قيم المجتمع وأصالته ، فالمسنّ يحتاج إلى الرعاية الصحية، والدعم النفسي، والمرافقة اليومية، والأهم من ذلك الشعور بالأمان والانتماء ، وخاصة في ظل الحروب، تتضاعف هذه الاحتياجات نتيجة النزوح، فقدان العائلة، أو انهيار البنية الصحية، ما يجعلهم عرضة للإهمال أو العزلة القاتلة.
ثانياً: الشباب… طاقة قادرة على صناعة الفارق:
يمتلك الشباب القدرة الجسدية والنفسية على التعامل مع التحديات، إضافة إلى سرعة التعلّم والتكيّف. وعندما يتم توجيه هذه الطاقة نحو العمل الإنساني، تتحول إلى قوة تغيير حقيقية
فمشاركة الشباب في رعاية المسنّين تعزّز لديهم حسّ المسؤولية والانتماء، وتزرع فيهم قيماً إنسانية راسخة، كما تمنح المسنّين شعوراً بأنهم ما زالوا جزءاً حيّاً من المجتمع.
ثالثاً: أهمية التدريب المتخصص… من العفوية إلى الاحتراف:
رغم النوايا الطيبة، فإن رعاية المسنّين تتطلب مهارات خاصة لا يمكن تركها للاجتهاد الفردي فقط لذلك، تبرز أهمية الدورات التدريبية المتخصصة التي تزوّد الشباب بالمعرفة الأساسية في مجالات مثل:
* الإسعافات الأولية والتعامل مع الحالات الطارئة
* الرعاية الصحية اليومية وإدارة الأدوية
* الدعم النفسي والتواصل الإنساني الفعّال
* التعامل مع الأمراض المزمنة كـ الزهايمر والسكري والضغط
هذه الدورات ترفع مستوى الكفاءة، وتقلل من الأخطاء، وتضمن تقديم رعاية تحفظ كرامة الإنسان وتلبي احتياجاته الحقيقية.
رابعاً: رعاية المسنّين في زمن الحروب… تحديات مضاعفة:
في بيئات النزاع، تصبح مهمة رعاية المسنّين أكثر تعقيداً. فقد يعاني المسنّ من فقدان منزله، أو انقطاع الدواء، أو غياب الرعاية الطبية، إضافة إلى الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب. هنا، يتحول الشباب المدرّب إلى عنصر إنقاذ حقيقي، قادر على التدخل السريع، وتقديم الدعم في مراكز الإيواء، والمخيمات، وحتى داخل المنازل المتضررة كما أن وجود شباب مؤهلين في هذه الظروف يساهم في تقليل الخسائر الإنسانية، ويمنح المسنّين فرصة للعيش بكرامة رغم الألم.
خامساً: دور المؤسسات في تمكين الشباب:
لا يمكن تحميل الشباب هذه المسؤولية دون توفير بيئة داعمة ، فالمؤسسات الصحية والإنسانية مطالبة بإطلاق برامج تدريبية منظمة، وتوفير فرص تطوعية حقيقية، بالإضافة إلى اعتماد شهادات معترف بها تشجّع الشباب على الانخراط في هذا المجال ، كما أن التعاون بين الجمعيات المحلية والدولية يمكن أن يخلق شبكة أمان متكاملة للمسنّين، يقودها شباب واعٍ ومدرّب.
سادساً: الأثر المتبادل… عندما يتعلّم الجميع من الجميع:
العلاقة بين الشباب والمسنّين ليست باتجاه واحد، بل هي تبادل إنساني عميق ، فكما يقدّم الشباب الرعاية والدعم، ينقل المسنّون خبراتهم وقصصهم وقيمهم للأجيال الجديدة ، في هذا التلاقي، يُعاد بناء النسيج الاجتماعي الذي تمزّقه الحروب، وتُستعاد إنسانية المجتمع من جديد.
ختاماً إن رعاية المسنّين في زمن الحروب ليست مهمة ثانوية، بل هي اختبار حقيقي لإنسانيتنا الجماعية ، وعندما يتقدّم الشباب لحمل هذه الرسالة، مدعومين بالعلم والتدريب، فإنهم لا ينقذون أفراداً فقط، بل يحفظون ذاكرة وطن، ويصونون كرامة أجيال صنعت الحاضر ، إن الاستثمار في تدريب الشباب على رعاية المسنّين هو استثمار في الرحمة، في الاستقرار، وفي مستقبل أكثر إنسانية… حيث لا يُترك أحد وحيداً في مواجهة الزمن أو الحرب.
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..