بوابة صيدا ـ "إن ما حدث في شرق الأناضول عام 1915 لم يكن استهدافاً عرقياً من طرف واحد، بل كان حرباً ديموغرافية شاملة شنها الحلفاء عبر وكلاء محليين. الإحصائيات لا تكذب؛ فمقابل كل مأساة يتم تسليط الضوء عليها، هناك قرى مسلمة كاملة (كرداً وأتراكاً) مُسحت من الخارطة ولم يجد ضحاياها من يكتب تاريخهم." (المؤرخ الأمريكي جاستن مكارثي)
في الوقت الذي تسلط فيه الأضواء العالمية على رواية واحدة لأحداث عام 1915م، تبقى صفحات مطوية من تاريخ منطقة القوقاز وشرق الأناضول شاهدة على واحدة من أبشع فصول "التطهير العرقي" التي استهدفت الوجود الإسلامي (التركي والكردي)، بتخطيط وتمويل مباشر من قوى "الحلفاء" (روسيا وبريطانيا وفرنسا).
المخطط الاستعماري: أرمينيا على أنقاض المسلمين
في 20 نيسان 1915م، (5 جمادى الآخرة سنة 1333هـ) وبينما كانت الحرب العالمية الأولى تلتهم القوى الكبرى، بدأت المجموعات الأرمنية المسلحة (مثل منظمة الطاشناق) بتنفيذ مخطط عسكري واسع النطاق في مدينة "وان" ومحيطها. لم يكن التحرك عفوياً، بل كان "ساعة الصفر" المتفق عليها مع الإمبراطورية الروسية لتمهيد الطريق أمام تقدم جيوش القيصر، عبر إخلاء المنطقة من سكانها الأصليين، المسلمين.
مجازر "وان": صرخة الضحايا المغيبة
تشير الوثائق التاريخية وشهادات المؤرخين، ومن أبرزهم المؤرخ الأمريكي "جاستن مكارثي" في كتابه "الموت والنفي" إلى أن تلك الفترة شهدت هجمات منظمة استهدفت قرى بأكملها. تعرض السكان الأتراك والكرد لعمليات قتل جماعي وحرق للممتلكات، بهدف إحداث تغيير ديموغرافي قسري يضمن إقامة دولة أرمنية موالية للحلفاء.
تقدّر المصادر التاريخية الموثقة سقوط مئات الآلاف من الضحايا المسلمين في تلك المناطق نتيجة المجازر والجوع والبرد أثناء النزوح القسري.
وكانت بريطانيا وفرنسا تؤمن الغطاء السياسي والدعائي لهذه التحركات، بينما كانت روسيا تمدهم بالسلاح والعتاد، ضمن استراتيجية "تفتيت الدولة العثمانية".
الرواية الأخرى: ضرورة الإنصاف التاريخي
إن ما جرى في نيسان 1915 لم يكن "إبادة" من طرف واحد كما تروج الدعاية الغربية، بل كان "حرباً أهلية" فجّرها الطموح الاستعماري. لقد دفع المسلمون في القوقاز ضريبة قاسية لرفضهم التخلي عن أراضيهم، وتحولت مدن مثل "وان" و "أرزروم" إلى مقابر جماعية لسكانها من المسلمين الذين طمس التاريخ معاناتهم تحت وطأة المصالح الدولية.
شهادة من قلب واشنطن: حين ينصف المؤرخون الأحرار دماء المسلمين
1. حجة "المبادأة بالهجوم": يثبت المؤرخ "جاستن مكارثي" بالوثائق أن العنف في "وان" (20 نيسان 1915) بدأ بتمرد مسلح منظم من الداخل بالتزامن مع التقدم الروسي، أي أن تصرف الدولة العثمانية كان "رد فعل عسكري" لتأمين خطوطها الخلفية وليس "نية مبيتة لإبادة عرقية".
2. حجة "الأرقام المغيبة": يشير "مكارثي" إلى أن عدد القتلى والمهجرين من المسلمين (الذين سقطوا نتيجة هجمات العصابات الأرمنية والجيش الروسي) يفوق في بعض المناطق أعداد الضحايا من الطرف الآخر، لكن "تاريخ المنتصرين" هو من طمس هذه الأرقام.
3. حجة "التغيير الديموغرافي القسري": يوضح أن الهدف من المجازر بحق المسلمين كان "تفريغ الأرض" لجعل الأرمن أغلبية في مناطق لم يكونوا يمثلون فيها سوى أقلية، وذلك لتشريع إقامة دولة لهم تحت الحماية الروسية.
لماذا نفتح هذه الملفات اليوم؟
إننا في "بوابة صيدا" نؤمن أن التاريخ لا يُكتب بمداد طرف واحد. إن استعادة ذكرى شهداء المسلمين في القوقاز هي دعوة للعدالة والموضوعية، وتذكير بأن الوعود الاستعمارية كانت دائماً تُبنى على أشلاء الأبرياء، سواء كان ذلك في مطلع القرن العشرين أو في واقعنا المعاصر.
ـــــــــــــــــــــــــــ
للمزيد من البحث
إليكم قائمة بالمراجع والمصادر الهامة التي تدعم "الرواية المغيبة" وتوثق معاناة المسلمين (أتراكاً وكرداً) في تلك الحقبة، لتكون مرجعاً لمن أراد التوسع أو الكتابة في هذا الموضوع، :
1. المراجع الأجنبية (المصادر الأكثر حيادية وتوثيقاً):
* كتاب "الموت والنفي" (Death and Exile) للمؤرخ جاستن مكارثي (Justin McCarthy): يُعد المرجع الأهم عالمياً الذي يوثق بالأرقام والخرائط عمليات التطهير العرقي ضد المسلمين في القوقاز والأناضول والبلقان ما بين 1821 - 1922.
* كتاب "الفتنة" [التمرد الأرمني في فان] (The Armenian Rebellion at Van) لـ جاستن مكارثي وإيسين كايا: يركز بالتحديد على أحداث مدينة "وان" في نيسان 1915، ويوضح كيف بدأت المجموعات المسلحة الهجوم بالتنسيق مع الروس.
* كتاب "تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة" لـ ستانفورد شو (Stanford Shaw): يقدم رؤية شاملة للظروف السياسية والعسكرية التي أدت إلى انفجار العنف المتبادل.
2. المراجع العربية والترجمة:
* كتاب "المسألة الأرمنية: حقائق ووثائق" للمؤرخ إحسان حقي: من أوائل الكتب العربية التي تناولت هذا الملف من زوايا تاريخية موثقة بعيداً عن البروباغندا الغربية.
* دراسات "مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية" (IRCICA): لديهم إصدارات قيمة توثق الأرشيف العثماني المتعلق بالمجازر التي ارتكبتها العصابات المدعومة من الحلفاء بحق المدنيين المسلمين.
3. الأرشيفات الرسمية:
* الأرشيف العثماني: يضم آلاف التقارير الميدانية من قادة القرى والبلدات في القوقاز التي تصف المجازر.
* تقارير الضباط الروس والأجانب: هناك مذكرات لضباط روس (مثل مذكرات الجنرال ماييفسكي) الذي كان قنصلاً في "وان" وأرزروم، وتحدث بصراحة عن فظائع المجموعات المسلحة الأرمنية ضد السكان المسلمين.
(المصدر: القسم التاريخي في بوابة صيدا)