أعلنت جماعة تابعة لتنظيم القاعدة ومتمردو الطوارق مسؤوليتهم عن هجمات متزامنة ومنسّقة في أنحاء مالي السبت، وُصفت بأنها واحدة من أجرأ العمليات التي شُنّت ضد الحكومة التي يقودها الجيش المالي.
وحلقت مروحيات فوق العاصمة المالية باماكو وفي محيط المطار الدولي، وأُفيد بتسجيل اشتباكات في قاعدة عسكرية قريبة، الأمر الذي دفع السفارة الأمريكية والخارجية البريطانية إلى نصح رعاياهما بالبقاء في منازلهم.
وذكر الجيش المالي أنه قتل مئات المهاجمين، وصد الهجوم الذي استهدف مواقع متعددة في باماكو وبالقرب منها، مضيفا أن عملية تمشيط واسعة النطاق جارية في العاصمة، ومدينة كاتي المجاورة التي تضم ثكنات عسكرية، ومناطق أخرى في البلاد المنتجة للذهب.
"أكبر هجوم منسق منذ سنوات"
وأصدرت جماعة تسمي نفسها "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم القاعدة بيانا، أعلنت فيه مسؤوليتها عن الهجمات في كاتي، وعلى مطار باماكو، وفي مناطق أبعد شمالا، بما في ذلك موبتي وسيفاري وغاو.
كما ذكرت الجماعة أنه جرى الاستيلاء على مدينة غاو، وهي مدينة أخرى تقع شمال شرق البلاد، في عملية بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد، وهي جماعة متمردة يهيمن عليها الطوارق.
وكان المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان قد ذكر عبر منصات التواصل الاجتماعي في وقت سابق أن قوات الجبهة سيطرت على عدد من المواقع في غاو، وعلى أحد المعسكرين في كيدال.
وتخوض حركة أزواد تمردا منذ سنوات لإقامة دولة أزواد شمال مالي، وقد سبق لها أن طردت قوات الأمن من المنطقة، قبل أن تمهد اتفاقية سلام عام 2015، التي انهارت لاحقا، الطريق أمام دمج بعض المتمردين السابقين في الجيش المالي.
ووصف رئيس برنامج الساحل لدى مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، أولف لايسينغ، الهجمات بأنها "أكبر هجوم منسق منذ سنوات".
إغلاق المطار ودول تحذر رعاياها
وحثت السفارة الأمريكية في مالي رعاياها على البقاء في أماكنهم، في حين صدرت نصائح للبريطانيين بعدم السفر إلى البلاد، حيث قال الجيش إنه تعرض لهجمات من جماعات "إرهابية" مجهولة الهوية في عدة أماكن.
وأُغلق المطار، وأُعيدت رحلات أو أُلغيت، وأشار أحد المسافرين إلى أن الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى المطار جنوبي باماكو وجدوا أنفسهم تقريبا داخل منطقة قتال وسط إطلاق نار كثيف وتحليق طائرات هليكوبتر.
وأفاد شهود عيان وسكان بسماع دوي انفجارين قويين وإطلاق نار متواصل قرب قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية شمال العاصمة باماكو، فيما ذكر آخرون أن منزل وزير الدفاع ساديو كامارا في كاتي دُمر في الهجوم.
"اختيار الأهداف كان ملفتا"
وقال كبير محللي غرب إفريقيا في مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، هيني نسيبيا، إن اختيار الأهداف كان ملفتا، مضيفا أن كاتي وباماكو "في قلب النظام" بينما كانت كيدال، وهي موقع النصر العسكري الرمزي في عام 2023، محورية في "رواية الحكومة عن استعادة السيطرة".
ولخص الباحث في الشؤون الإفريقية لدى شركة مينتل وورلد للأبحاث، حسرت كارغين، الوضع قائلا "شنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد هجمات منسقة في مالي، ولا تزال مواقع عديدة للجيش وفيلق إفريقيا (منظمة مسلحة روسية) مستهدفة في كاتي وكيدال وسيفاري وغاو".
وأشار إلى أن "فرص استعادة مدن مثل كيدال وغاو من دون دعم جوي عسكري ضئيلة جدا"، مضيفا "سيكون الدعم الجوي عاملا حاسما للجانبين".
حظر تجول ليلي
وقال الجيش السبت إن الوضع تحت السيطرة، لكن أحد سكان غاو، وهي مركز عسكري رئيسي في الشمال، أفاد بسماع دوي انفجار قوي وتبادل لإطلاق النار بين الجنود والمتمردين مع وقت الظهيرة.
وأضاف المصدر أنه بحلول المساء، ساد هدوء حذر في غاو، حيث أعلن الحاكم حظر التجول خلال الليل.
وتشير هجمات اليوم إلى تصعيد محتمل في التمرد الذي بدأ عام 2012.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، هاجمت الجماعة التابعة للقاعدة مدرسة لتدريب قوات الأمن بالقرب من مطار باماكو، مما أسفر عن مقتل نحو 70 شخصا.
وبعد عام، أعلنت الجماعة حصارا على واردات الوقود وهاجمت صهاريج وقود تحت حراسة عسكرية في جنوب وغرب مالي، مما أظهر قدرتها على العمل في مناطق لم تكن تعمل فيها من قبل.
ارتباطات خارجية
وتولت حكومة مالي برئاسة أسيمي غويتا السلطة بعد انقلابين في عامي 2020 و2021، مع تعهد باستعادة الأمن، لكنها تواجه صعوبات في تحقيق ذلك.
وعلى غرار نظيرتيها في النيجر وبوركينا فاسو، قطعت الحكومة العسكرية في مالي علاقاتها مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا وعدد من الدول الغربية، متّجهة نحو تعزيز التعاون السياسي والعسكري مع روسيا.
وكانت مجموعة فاغنر الروسية التي تقاتل إلى جانب القوات المالية منذ عام 2021 أعلنت إنهاء مهمتها في يونيو/حزيران 2025، ليحلّ مكانها "فيلق إفريقيا" الخاضع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية.
وكان المجلس العسكري تعهد بتسليم السلطة للمدنيين بحلول مارس/آذار 2024، لكنه عاد ومنح غويتا في يوليو/تموز 2025 ولاية رئاسية لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد "بقدر ما يلزم" ومن دون إجراء انتخابات.
في المقابل، سعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى إقامة اتصالات مع المجالس العسكرية الثلاثة، فيما حاولت توغو قيادة وساطة بين الدول الغربية وهذه البلدان الثلاثة التي شكّلت تحالف دول الساحل.
ومنذ بدء الاضطرابات، قُتل آلاف الأشخاص في هجمات داخل مالي الغنية بالموارد الطبيعية، فيما لجأ عشرات آلاف الماليين خلال السنوات الماضية إلى دول مجاورة من بينها موريتانيا.
ويوم الاثنين الماضي، قال وزير خارجية مالي إن دولا مجاورة وقوى أجنبية تدعم "الجماعات الإرهابية"، لكنه أحجم عن ذكر دول بالاسم.
(المصدر: الجزيرة + وكالات)