بوابة صيدا ـ "بصلفٍ لم يعرف حدوداً، وقفت "جولدا مائير" يوماً لتعلن أمام العالم وببرودة أعصاب: "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني". لم تكن مجرد تصريحات عابرة، بل كانت عقيدة سياسية قامت على الحقد، وإنكار الوجود، والاستخفاف بـ "أمة نائمة" ظنت أنها لن تستيقظ أبداً.
من إحراق المسجد الأقصى إلى محاولات اقتلاع الهوية، ظنت "المرأة الحديدية" أن كبرياءها سيظل محصناً خلف جدران الأوهام.. حتى جاء ظهيرة السادس من تشرين عام 1973. هناك، وبينما كانت مدافع العرب تزلزل الأرض تحت أقدام جنرالاتها، تبخر الاستعلاء وتحول الصمت إلى كابوس، واليقين إلى انكسار، لتذرف مائير دموع الهزيمة في غرف العمليات المظلمة.
اليوم، تفتح "بوابة صيدا" الملف الأسود لأيقونة الكراهية الصهيونية، لتروي حكاية الغرور الذي تحطم على صخرة الإرادة العربية، وكيف تحول "إنكار الوجود" إلى مرارة سقوطٍ أطاح بمستقبلها السياسي إلى الأبد."
وُلدت جولدا مابوفيتز (مابوفيتش) في 3 أيار / مايو 1898م (14 ذو الحجة 1315هـ) في مدينة كييف بأوكرانيا، وهاجرت مع عائلتها إلى مدينة ميلواكي في ولاية ويسكونسن الأمريكية عام 1906.
تخرجت من كلّية المعلمين وقامت بالعمل في سلك التدريس وانضمّت إلى منظمة العمل الصهيونية في عام 1915م.
في عام 1921م هاجرت مع زوجها موريس مايرسون إلى فلسطين، و بعد وفاة زوجها في عام 1951، قررت جولدا تبني اسم عبري فترجمت اسم زوجها إلى العبرية، (مايرسون بالعبرية "ابن مائير").
انتقلت جولدا إلى مدينة تل أبيب في عام 1924. وعملت في مختلف المهن بين اتّحاد التجارة ومكتب الخدمة المدنية قبل أن يتمّ انتخابها في الكنيست الإسرائيلي في عام 1949م.
قبل قيام الدولة، سافرت إلى الولايات المتحدة وجمعت 50 مليون دولار لشراء الأسلحة للدفاع عن إسرائيل خلال حرب عام 1948م .
كانت واحدة من امرأتين وقعتا على وثيقة إعلان قيام دولة "إسرائيل" في 14 مايو 1948م (5 رجب 1367هـ)
عُينت أول سفيرة للكيان الصهيوني في الإتحاد السوفييتي.. حيث قابل مسؤول سوفيتي أحد كبار المسؤولين الإسرائيليين في الأمم المتحدة وقال له لماذا لم تعين دولة إسرائيل سفيرا لها في موسكو حتى الآن؟
فرد عليه المسؤل الإسرائيلي أن البحث جار عن شخصية مناسبة تصلح للقيام بهذا الدور الدبلوماسي الهام.
فبادره المسؤول السوفيتي قائلا: "لا ينبغي أن يكون السفير الإسرائيلي ملما بالنظرية الماركسية والتطبيق اللينيني ولا يشترط فيه أن يكون دارسا للفلسفة الماركسية والفقه الثوري وكل هذه الأشياء.. بالمناسبة، ماذا تفعل السيدة مائير حاليا وما هي وظيفتها؟"
وتروي جولدا مائير في مذكراتها أن هذه "كانت إشارة واضحة إلى أن الإتحاد السوفيتي يرغب في توليها بالإسم منصب السفارة في موسكو وعلى ذلك فقد ذهبت بالفعل وأصبحت أول سفيرة إسرائيلية هناك".
وتقول: "والذي لا أتذكره هو إسم المسؤول السوفيتي الذي صرح بذلك الطلب ولكنني أعتقد أنه كان مولوتوف وزير الخارجية".
يُذكر أن زوجة "مولوتوف" وزير خارجية الإتحاد السوفييتي كانت يهودية. وللتأكيد على ذلك، أنه في تشرين الثاني / نوفمبر 1948م، إلتقت جولدا مائير بـ "بولينا" زوجة مولوتوف في المعبد اليهودي، وتحدثت معها كونهما من اليهود، وطلبت منها أن تكثر من زيارة المعبد اليهودي وألا تجعل عملها يمنعها عن ممارسة الطقوس الدينية اليهودية.
هذا اللقاء أغضب ستالين، الذي كان يعتبر أن "إسرائيل" كيان تابع للولايات المتحدة العدو اللدود لبلاده، وفسر ستالين هذا اللقاء بأنه لقاء تجسس لصالح إسرائيل تقوم به زوجة وزير الخارجية مولوتوف. تم إلقاء القبض على بولينا زوجة وزير الخارجية وحكم عليها بالنفي إلى كازاخستان لمعسكر عمل لمدة 5 سنوات.
عملت جولدا كوزيرة للعمل في الفترة 1949 إلى 1956م و أشرفت على برامج إسكان وطرق ضخمة، ودعمت سياسة الهجرة اليهودية غير المقيدة إلى إسرائيل، مما ساهم في مضاعفة عدد السكان .
وعملت كوزيرة للخارجية في الفترة 1956 إلى 1966 في أكثر من تشكيل حكومي، و عززت سياسة تقديم المساعدات للدول الأفريقية الجديدة بهدف كسب دعم دبلوماسي .
بعد وفاة رئيس الوزراء الصهيوني ليفي أشكول في شباط / فبراير 1969، تقلّدت في 17 آذار / مارس 1969م (29 ذو الحجة 1388هـ) منصب رئيس الوزراء، فكانت رابع رئيس وزراء للحكومة الإسرائيلية..
توسعت في عهدها برامج إنشاء المستعمرات الصهيونية، كما تم إحراق المسجد الأقصى المبارك.
تعرّضت حكومة التآلف التي ترأّستها للنّزاعات الداخلية وأثارت الجدل والتساؤلات في مقدرة حكومتها على القيادة خاصّة بعد الهجوم العربي المباغت وغير المُتوقّع في حرب تشرين أول / أكتوبر، والذي أخذ الإسرائيليين على حين غرّة في 6 تشرين الأول / أكتوبر 1973م (10 رمضان 1393هـ)
وكتبت مائير عن حرب تشرين الأول / أكتوبر في كتابها "حياتي" والذي ترجم إلى "اعترافات جولدا مائير". تقول: "ليس أشق على نفسي من الكتابة عن حرب أكتوبر 1973 (حرب يوم كيبور). ولن أكتب عن الحرب - من الناحية العسكرية - فهذا أمر أتركه للآخرين.. ولكنني سأكتب عنها ككارثة ساحقة وكابوس عشته بنفسي.. وسيظل معي باقيًا على الدوام".
و كانت جولدا مائير- خارج الأراضي المحتلة - قبيل اشتعال الحرب بأيام.. وعادت من رحلتها يوم الثلاثاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 1973م ( 8 رمضان 1393هـ) وفور عودتها، عقدت اجتماعًا مع "المطبخ السياسي" وسمي بذلك لإنها كانت تعقد الإجتماعات مع القيادات في مطبخ منزلها. و كان هذا الاجتماع يضم مجموعة العناصر البارزة في الوزارة والجيش لبحث الموقف. وخلال الاجتماع يتم استعراض المعلومات التي كانت وصلتها في شهر ـ أيار / مايو - أي قبل الحرب بخمسة أشهر- حول تعزيزات القوات المصرية والسورية على الحدود..
كما استعرضت نتائج المعركة الجوية التي جرت بين سوريا وإسرائيل في أيلول / سبتمبر- الشهر السابق للحرب - ثم استعرضت، اخيرًا، تقارب المخابرات الإسرائيلية التي تؤكد عدم قدرة القوات المحتشدة على القيام بأي هجوم.
وخلال الإجتماع- وكما تقول مائير في اعترافاتها- كان الرأي الذي التقى حوله الجميع: "أن الموقف العسكري يتلخص في أن إسرائيل لا تواجه خطر هجوم مصري - سوري أما القوات المصرية المحتشدة في الجنوب، فلا يتعدى دورها القيام بالمناورات المعتادة!"
وتمضي مائير في اعترافاتها: "ولم يجد أحد من المجتمعين ضرورة لاستدعاء احتياطي!".. "ولم يفكر أحد في أن الحرب وشيكة الوقوع."
في يوم 5 تشرين الأول / أكتوبر، ( 9 رمضان 1393هـ) عقدت مائير اجتماعًا أخر لمطبخها السياسي لإعادة بحث الموقف. وخلال الاجتماع اقترح "إسرائيل جاليلي" تفويض مائير ووزير الدفاع سلطة استدعاء احتياطي، وإعلان التعبئة العامة، إذا تطلب الأمر ذلك. وتقول مائير في اعترافاتها حول هذا الاجتماع: "كان من واجبي أن استمع إلى "إنذار" قلبي، وأستدعي الاحتياطي، وأمر بالتعبئة".
ثم تصف شعورها إزاء الخيبة بقولها: "لم يكن منطقيًا أن أمر بالتعبئة مع وجود تقارير مخابراتنا العسكرية، وتقارير قادتنا العسكرية، التي لا تبررها! لكني- في نفس الوقت- أعلم تمامًا أنه كان واجبًا علي أن أفعل ذلك. وسوف أحيا بهذا الحلم المزعج بقية حياتي. ولن أعود مرة أخرى نفس الإنسان الذي كنته قبل حرب يوم كيبور".
وفي الساعة الرابعة من صباح يوم السبت 6 تشرين الأول / أكتوبر، (10 رمضان 1393هـ) تلقت مائير- كما تقول في اعترافاتها- معلومات "بأن المصريين والسوريين سوف يشنون هجومًا مشتركًا في وقت متأخر بعد ظهر نفس اليوم". وعلى الفور عقدت مائير اجتماعًا ثالثًا لمطبخها السياسي والذي جرى من خلاله من جديد استعراض الموقف. ولكن كما تقول مائير "كان هذا اليوم الوحيد الذي خذلتنا فيه قدرتنا الاسطورية على التعبئة بسرعة"!
واجتمعت مائير عقب هذا الاجتماع بزعيم المعارضة "مناحم بيجين" واجتمعت بالسفير الأمريكي في "إسرائيل". وعند الظهر عقدت مائير اجتماعًا للحكومة الإسرائيلية للبحث في تعبئة قوات الإحتياطي. وفجأة وقبل أن ينتهي الاجتماع، فتح باب قاعة الإجتماعات واندفع سكرتير مائير العسكري نحوها ليبلغها بأن الهجوم قد بدأ.
وتقول مائير: "في نفس اللحظة سمعنا صوت صفارات الإنذار في تل أبيب وبدأت الحرب".
وتقول مائير في اعترافاتها: "ليت الأمر اقتصر على أننا لم نتلق إنذارات في الوقت المناسب بل إننا كنا نحارب في جهتين في وقت واحد ونقاتل اعداء كانوا يعدون أنفسهم للهجوم علينا من سنين".
وتستطرد في اعترافاتها: "كان التفوق علينا ساحقًا من الناحية العددية سواء من الأسلحة أو الدبابات أو الطائرات أو الرجال.. كنا نقاسي من انهيار نفسي عميق.. لم تكن الصدمة في الطريقة التي بدأت بها الحرب فقط، ولكنها كانت في حقيقة أن معظم تقديراتنا الأساسية ثبت خطؤها. فقد كان الاحتمال في أكتوبر ضئيلًا".
اشتهرت جولدا مائير بتصريحاتها المتطرفة تجاه العرب، ومن أبرزها:
إنكار وجود شعب فلسطيني، فقد صرحت بشكل مثير للجدل أنه "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني". أوضحت لاحقًا أنها قصدت أنه "لا يوجد كيان فلسطيني" كدولة مستقلة، مشيرة إلى أن اليهود كانوا يُعرفون باسم "الفلسطينيين" قبل قيام إسرائيل .
أما موقفها من السلام مع العرب، فكانت تردد مقولتها الشهيرة: "لن يأتي السلام إلا عندما يحب العرب أطفالهم أكثر مما يكرهوننا" . وفي مقولة أخرى: "يمكننا أن نغفر للعرب قتل أبنائنا، لكن الأصعب أن نغفر لهم لأنهم أجبرونا على قتل أبنائهم" .
استقالت جولدا مائير من رئاسة الوزراء في 10 نيسان / أبريل 1974م (18 ربيع الأول 1394هـ) بعد أشهر من انتهاء حرب أكتوبر، على وقع الاحتجاجات الشعبية والمطالبات بمحاسبة القيادة على الإخفاقات التي سبقت الحرب .
ظلت في منصبها كرئيسة لحكومة تصريف أعمال حتى تشكيل حكومة جديدة في حزيران / يونيو 1974م انسحبت بعدها من الحياة السياسية لكنها ظلت شخصية مؤثرة حتى وفاتها بمرض سرطان الغدد الليمفاوية في القدس في 8 كانون الأول / ديسمبر 1978م (8 محرم 1399هـ).
ـــــــــــ
إقرأ ايضاً
حاييم وايزمان.. من اختراع الذخيرة القاتلة الى رئاسة الدولة العبرية