بقلم أخصائية علم الاجتماع التربوي- هدى نقوزي ـ بوابة صيدا
في زمنٍ تتدفّق فيه المعلومات من كل اتجاه، لم يعد دور المعلّم مقتصرًا على نقل المعرفة من الكتاب إلى أذهان الطلاب، بل أصبح عنصرًا محوريًا في صناعة التعلّم، وبناء التفكير، وتنمية المهارات الحياتية. فالمعلّم اليوم هو مهندس التجربة التعليمية، ومصمّم المواقف التربوية التي تُشعل الفضول، وتفتح آفاق الإبداع، وتزرع حب الاستطلاع في نفوس المتعلمين.
لقد غيّرت الثورة الرقمية طبيعة المعرفة نفسها؛ فأي طالب يستطيع الوصول إلى آلاف المصادر بضغطة زر. غير أن ما لا تستطيع التكنولوجيا تقديمه وحدها هو التوجيه الإنساني، وبناء القيم، وتنمية الوعي، وتعليم كيفية التفكير النقدي، والعمل التعاوني، وحل المشكلات الواقعية. وهنا يتجلّى الدور الحقيقي للمعلّم بوصفه صانعًا للتعلّم لا مجرّد ناقلٍ للمعلومات، ومرشدًا يساعد طلابه على تحويل المعرفة إلى فهم، والمعلومة إلى خبرة.
المعلّم صانع التعلّم يخلق بيئة صفية محفّزة، يطرح الأسئلة بدل الاكتفاء بالإجابات، ويشجّع الطلبة على البحث والاكتشاف والتجريب. يرى في الخطأ فرصة للتعلّم، وفي اختلاف الآراء ثراءً فكريًا، وفي كل طالب مشروع نجاح فريد يحتاج إلى رعاية ودعم. وهو يعمل على تعزيز الثقة بالنفس لدى المتعلمين، وإشراكهم في اتخاذ القرار، وبناء شخصيات قادرة على التعبير عن أفكارها واحترام آراء الآخرين.
كما يعتمد هذا النموذج على الانتقال من التلقين إلى التفاعل، ومن الحفظ إلى الفهم العميق، ومن التعليم الموحّد إلى التعلّم المتمركز حول الطالب، حيث تُراعى الفروق الفردية وتُحتضن المواهب المتنوعة. فيصبح المتعلّم شريكًا فاعلًا في العملية التعليمية، ويتحوّل الصف إلى مساحة حوار وتفكير ونشاط، تنبض بالأسئلة والعمل الجماعي، لا مجرد مقاعد صامتة تنتظر الشرح.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستراتيجيات الحديثة كالتعلّم التعاوني، والتعلّم القائم على المشروعات، وحل المشكلات، وربط الدروس بالحياة اليومية. فهذه الأساليب لا تعزّز التحصيل العلمي فحسب، بل تنمّي مهارات التواصل، والمسؤولية، والتفكير الناقد، وتُعدّ الطلبة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين.
ولا يمكن تحقيق هذا التحوّل دون تطوير مهني مستمر للمعلمين، وتوفير بيئات تعليمية مرنة، ومناهج متجددة تركّز على المهارات الحياتية إلى جانب المحتوى المعرفي. فصناعة التعلّم تتطلّب معلّمًا متعلّمًا، قادرًا على مواكبة المستجدات، وتوظيف التقنيات الحديثة بوعي، وبناء علاقات إيجابية مع طلابه قائمة على الاحترام والثقة المتبادلة.
كما أن نجاح العملية التعليمية التفاعلية يتطلّب شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة والمجتمع، بما يوفّر للطالب منظومة دعم متكاملة تعزّز القيم، وتفتح أمامه آفاق التعلّم المستمر، وتساعده على اكتشاف إمكاناته وتسخيرها لخدمة نفسه ومجتمعه.
ختامًا، إن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ من المعلّم؛ فحين نمنحه الثقة والتأهيل والدعم، يصبح قادرًا على صناعة أجيال مفكّرة، مبدعة، وواعية، قادرة على مواجهة تحديات المستقبل والمساهمة في بناء الأوطان. فالمعلّم ليس ناقل معرفة فحسب، بل هو صانع إنسان، وباني مستقبل.
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..