قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
العهد القديم (التوراة) لا يقدم رواية بني إسرائيل على أنهم السكان الأوائل لأرض فلسطين/ الشام، بل على العكس، فهو يصرح مراراً بأن هذه الأرض كانت مأهولة بشعوب أخرى مستقرة، ذات حضارات ومدن وممالك، قبل دخول بني إسرائيل إليها بقيادة نبي الله يوشع بن نون (يشوع توراتياً) بعد الخروج من مصر.
وهذه الشعوب تنتمي في الغالب إلى السلالات العربية القديمة (الكنعانية) التي تتحدث لغات سامية قريبة من العربية، وتُعدّ جزءاً من الجذور العربية القديمة في المنطقة.
جاء في سفر الخروج 3: 6 ثُمَّ قَالَ (الله لموسى): «أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ». فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ. 7فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ، 8فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ، وَأُصْعِدَهُمْ مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ وَوَاسِعَةٍ، إِلَى أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً، إِلَى مَكَانِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفِرِزَّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ. 9وَالآنَ هُوَذَا صُرَاخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَتَى إِلَيَّ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا الضِّيقَةَ الَّتِي يُضَايِقُهُمْ بِهَا الْمِصْرِيُّونَ، 10فَالآنَ هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ».
في هذا النص "التوراتي" يُعرّف الله نفسه لموسى بصفته إله "الآباء المؤسسين للأمة الإسرائيلية"، وأنه شاهد معاناة بني إسرائيل في مصر نتيجة الاضطهاد والاستعباد، فنزل لإنقاذهم، وانتقالهم من أرض مصر (رمز العبودية) إلى ارض جيدة وواسعة (رمز الحرية والبركة).
إلى أين الانتقال؟
إلى ارض الكنعانيين والأموريين، والفرزيين، والحويين، واليبوسيين، والحثيين، وهذه القائمة تذكر ستة شعوب كانت تقيم في تلك الأرض في ذلك الزمن (حوالي القرن 13 ق.م). وهي تمثل السكان الأصليين الذين سيحتل بنو إسرائيل أراضيهم لاحقاً.
بعد رؤية الضيق وسماع الصراخ، يأتي القرار الإلهي بتكليف موسى بمهمة القيادة لمواجهة فرعون وإخراج بني إسرائيل.
كيف يثبت هذا النص أن العرب كانوا سكان الأرض الأصليين؟
يكرر العهد القديم قائمة الشعوب التي تسكن أرض كنعان (فلسطين ولبنان وأجزاء من سوريا والأردن) الكنعانيون، الحثيون، الأموريون، الفرزّيون، الحوّيون، اليبوسيون في أكثر من موضع (مثل سفر التكوين 15: 18-21، وسفر التثنية 7: 1). هذه القوائم ليست عرضية، بل هي شهادات تاريخية تثبت أن الأرض لم تكن خالية أو مخصصة لبني إسرائيل، بل كانت مأهولة بمجموعات بشرية مستقرة ذات هويات سياسية ودينية مميزة.
فيما يلي نبذة مختصرة عن هذه الشعوب التي ورد ذكرها كثيرًا في العهد القديم، مع موطنها والقومية أو الأصل العرقي الذي تُنسب إليه وفق الدراسات التاريخية واللغوية.
الكنعانيون: من أشهر شعوب بلاد كنعان، أسسوا مدنًا مزدهرة مثل صور وصيدا ومجدو، واشتهروا بالتجارة والزراعة، كان مسكنهم في فلسطين، لبنان، وأجزاء من سوريا والأردن. شعب سامي عربي.
الحثيون: شعب "هندوأوروبي" موطنه الأصلي هضبة الأناضول (تركيا الحالية)، ولا علاقة لنسبهم أو لغتهم بالعرب إطلاقاً. أسسوا إمبراطورية قوية في الأناضول، وورد ذكر جماعات حثية أيضًا في كنعان في الكتاب المقدس. أما الحثيون المذكورون في كنعان فقد يكونون فروعًا أو جماعات مرتبطة بهم.
الأموريون (العَمُوريون): من أقدم الشعوب السامية العربية التي خرجت من البادية والجزيرة العربية، انتشروا في الهلال الخصيب، وأسسوا عدة ممالك، منها بابل في عهد الملك حمورابي. كان مسكنهم في سوريا، العراق، ثم امتد إلى أرض كنعان.
الفرزيون: من الشعوب التي سكنت كنعان، ويُرجح أنهم كانوا يعيشون في القرى والمناطق الريفية أكثر من المدن المحصنة. كان مسكنهم في وسط وجبال فلسطين. ويرجح كثير من الباحثين أنهم من سكان كنعان الأصليين، أي من الشعوب العربية السامية.
الحويون: إحدى قبائل كنعان، ومن أشهر مدنهم جبعون وشكيم. كان مسكنهم في شمال ووسط كنعان، خاصة عند جبل لبنان وشكيم وجبعون. غالبًا من الشعوب السامية الكنعانية.
ولكن، يُرجّح عدد من المؤرخين أنهم ينتمون إلى "الحوريين"، وهم شعب غير سامي قادم من مناطق القوقاز وشمال ما بين النهرين، وإن كان بعضهم قد اندمج ثقافياً مع السكان الكنعانيين لاحقاً.
اليبوسيون: فرع مباشر أصيل من الكنعانيين (عرب قدماء)، وهم أول من بنى وسكن مدينة القدس (يبوس)، واستمر وجودهم حتى استولى عليها الملك داود..
يُعتبر كل من (الكنعانيين، الأموريين، اليبوسيين، والفرزيين) من الشعوب السامية (العربية القديمة) التي تشترك مع العرب في النسب، الموطن الأصلي (الجزيرة العربية)، واللغة الأم. بينما يُعتبر "الحثيون بالاتفاق و "الحويون (عند البعض)" من الأقوام غير العربية.
في التعبير التوراتي "أُصْعِدَهُمْ مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ إِلَى ... مَكَانِ الْكَنْعَانِيِّينَ..." دلالة لغوية على أن الله يعد بني إسرائيل بالانتقال إلى مكان آخر يخص شعوباً أخرى. ولو كانت الأرض خالية، كما يزعم يهود اليوم لما ذُكرت أسماء هذه الشعوب كأصحاب حق أصليين يحتاج إلى إزاحتهم.
فالنص يعترف ضمنياً بوجود عربي كنعاني سابق لوجود اليهود، بل ويحدد أماكنهم الجغرافية بشكل دقيق (جبال، مدن، ممالك).
و نصوص التوراة اللاحقة تؤكد قوة هذه الشعوب، في سفر العدد (الإصحاح 13: 28)، حين يرسل موسى الجواسيس لاستكشاف الأرض، يعودون ويقولون: "غَيْرَ أَنَّ الشَّعْبَ السَّاكِنَ فِي الأَرْضِ مُعْتَزٌّ، وَالْمُدُنُ حَصِينَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا".
ويذكرون على وجه الخصوص العمالقة واليبوسيين والأموريين، والكنعانيين، وهذا اعتراف بأن هذه الشعوب العربية الكنعانية كانت متفوقة عسكرياً وحضارياً في ذلك الوقت.
هذا النص التوراتي، بدلاً من أن ينفي الوجود العربي في المنطقة، يُعد وثيقة مهمة تُثبت أن العرب (ممثلين بالشعوب الكنعانية والأمورية واليبوسية وغيرها) هم السكان الأصليون المستقرون في بلاد الشام قبل قدوم بني إسرائيل من مصر بنحو 400 - 500 سنة.
العهد القديم هنا ليس كتاباً يتحدث عن "أرض بلا شعب"، بل هو كتاب يتحدث عن "شعب يريد أرضاً فيها شعوب أخرى".
و هذه الحقيقة التاريخية معترف بها في النص نفسه، وتجعل من الضروري فهم السياق التاريخي الكامل بعيداً عن القراءات المتأخرة.
العرب إذن، بحسب نصوص التوراة، هم الجذور العميقة لهذه البقعة الجغرافية.
و تشير الاكتشافات الأثرية في بلاد الشام (مثل آثار جُبيل، وصيدا، وصور، وأريحا، وأوغاريت، والقدس/يبوس) إلى أن الشعوب الكنعانية والأمورية (السامية/العربية القديمة) أنشأت حضارات ومجتمعات مدنية وزراعية وثقافية قبل ظهور أي وجود لبني إسرائيل بآلاف السنين (منذ الألف الرابع والثالث قبل الميلاد).
و تذكر أسفار العهد القديم المتلاحقة (مثل سفر يشوع وسفر القضاة) أن بني إسرائيل لم يكونوا سكان المنطقة الأصليين، بل جاءوا إليها قادمين من سيناء/مصر، ودخلوها عبر نهر الأردن، وخاضوا حروباً طاحنة وممتدة ضد السكان الأصليين (الكنعانيين واليبوسيين والأموريين) للسيطرة على مدنهم وأراضيهم، و لم يستطع بنو إسرائيل إبادة أو إخراج جميع السكان الأصليين كما تذكر نصوص العهد القديم، بل ظل الكنعانيون والأموريون واليبوسيون يشكلون النسيج السكاني الأكبر، والأصل الممتد في أراضي بلاد الشام (لبنان، فلسطين، سوريا، والأردن)، والذين اندمجوا وتطوروا عبر العصور ليشكلوا أصل السكان في هذه المناطق.