رأي الموقع ـ خاص بوابة صيدا
شهدت مدينة جدة توقيع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان على "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، في خطوة قد لا تكون مجرد إضافة جديدة إلى سلسلة اتفاقيات التعاون العسكري، بل ربما تمثل بداية إعادة تشكيل للهندسة الأمنية في الشرق الأوسط.
فمثل هذه الاتفاقيات لا تُقاس أهميتها بما تتضمنه من نصوص قانونية فحسب، وإنما بما تؤسس له من توازنات جديدة ورسائل ردع وتغيير في حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين.
جاءت الاتفاقية في مرحلة تتسم بقدر غير مسبوق من السيولة الاستراتيجية. فالشرق الأوسط يشهد منذ سنوات تراجعًا في أنماط التحالفات التقليدية، وتزايدًا في اعتماد الدول على بناء شراكات إقليمية أكثر استقلالًا، بالتوازي مع تنامي التهديدات العابرة للحدود، سواء كانت صراعات مباشرة، أو هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أو تهديدات الأمن البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
ضمن هذا السياق، تبدو اتفاقية مكة محاولة لبناء إطار دفاعي يجمع بين ثلاث قوى تمتلك عناصر قوة متكاملة.
فالسعودية تمثل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في العالمين العربي والإسلامي، وتمتلك قدرة مالية تؤهلها للاستثمار في بناء منظومات دفاعية متقدمة.
أما تركيا، فقد رسخت خلال العقدين الماضيين مكانتها بوصفها إحدى أبرز القوى الصاعدة في الصناعات العسكرية، مع خبرة عملياتية واسعة اكتسبتها من انخراطها في عدة ساحات إقليمية.
في حين تضيف باكستان بعدًا استراتيجيًا مختلفًا، يتمثل في حجم قواتها المسلحة وخبرتها العسكرية وامتلاكها لقدرات ردع نووية.
إن الجمع بين هذه الإمكانات يمنح الاتفاقية وزنًا يتجاوز حدود التعاون التقليدي، لكنه لا يعني بالضرورة ولادة تحالف عسكري مكتمل الأركان.
فالتحالفات الاستراتيجية لا تُقاس بالإعلانات السياسية، وإنما بوجود قيادة موحدة، وعقيدة عسكرية مشتركة، وآليات لاتخاذ القرار، ومنظومات قيادة وسيطرة، وقدرة حقيقية على تنفيذ عمليات مشتركة في أوقات الأزمات.
من منظور نظرية "توازن القوى"، تمثل الاتفاقية محاولة لإعادة توزيع عناصر القوة في الإقليم. فمنذ نهاية الحرب الباردة، ظل النظام الأمني في الشرق الأوسط يعتمد بدرجة كبيرة على القوى الدولية، بينما بقيت التحالفات الإقليمية محدودة التأثير.
وإذا تطورت اتفاقية مكة إلى إطار مؤسسي فعّال، فإنها قد تسهم في انتقال المنطقة تدريجيًا نحو نموذج يعتمد بدرجة أكبر على ترتيبات أمنية تقودها دول الإقليم نفسها.
إيران ستكون الطرف الأكثر تأثرًا بهذا التطور. فبغض النظر عن الطابع الدفاعي الذي تؤكد عليه الاتفاقية، فإن قيام محور يضم السعودية وتركيا وباكستان يفرض على طهران إعادة تقييم بيئتها الأمنية.
فمن منظور استراتيجي، لا يكمن التأثير في احتمال المواجهة العسكرية المباشرة، بل في تغير معادلة الردع. إذ يصبح أي تصعيد ضد إحدى الدول الأعضاء أكثر تعقيدًا، لأن القرار لن يُقرأ باعتباره مواجهة ثنائية فحسب، وإنما باعتباره اختبارًا لمصداقية التحالف بأكمله.
وفي المقابل، ستتابع إسرائيل هذا التطور بحذر محسوب. فمن جهة، ترى في استقرار المنطقة وتقليص مصادر الفوضى مصلحة استراتيجية، لكن من جهة أخرى فإن أي تقارب عسكري وتقني بين ثلاث دول تمتلك قدرات بشرية وصناعية متنامية سيُدرج ضمن الحسابات الأمنية الإسرائيلية بعيدة المدى، خاصة إذا توسع التعاون ليشمل تطوير منظومات تسليح مشتركة أو صناعات دفاعية متقدمة.
أما دول الخليج، فقد تجد في الاتفاقية فرصة لتعزيز مفهوم الأمن الجماعي، وتنويع الشراكات الدفاعية، وتقليل الاعتماد على طرف دولي واحد. كما قد تفتح الباب أمام مشاريع مشتركة في مجالات التصنيع العسكري، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وحماية الممرات البحرية، وهي مجالات أصبحت تمثل ركائز الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.
ومع ذلك، فإن الحكم على الاتفاقية يجب أن يظل محكومًا بالواقعية السياسية. فالشرق الأوسط شهد خلال العقود الماضية العديد من الاتفاقيات والتحالفات التي لم تتجاوز الإطار البروتوكولي. ولذلك، فإن نجاح اتفاقية مكة سيقاس بقدرتها على الانتقال من مستوى البيانات السياسية إلى مستوى المؤسسات الدائمة، والتخطيط العسكري المشترك، والتكامل الصناعي، وبناء منظومات ردع قابلة للتنفيذ.
إذا تحقق ذلك، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من "تعدد مراكز القوة"، حيث لن يكون الأمن الإقليمي معتمدًا بالكامل على القوى الدولية، بل ستظهر كتل إقليمية قادرة على التأثير في معادلات الأمن والاستقرار.
أما إذا بقيت الاتفاقية في حدود التنسيق الدبلوماسي والمناورات العسكرية الرمزية، فستظل أهميتها سياسية أكثر منها استراتيجية.
إن اتفاقية مكة، في جوهرها، ليست نهاية لتوازنات قائمة، بل بداية لاحتمال نشوء توازنات جديدة. وسيحدد المستقبل ما إذا كانت هذه المبادرة ستتحول إلى حجر الأساس لنظام أمني إقليمي جديد، أم ستبقى مجرد محطة سياسية فرضتها ظروف المرحلة.
وبين هذين الاحتمالين، تبقى حقيقة واحدة مؤكدة: الشرق الأوسط يشهد إعادة تشكيل تدريجية لخرائط القوة، وأي قراءة للمشهد الإقليمي خلال السنوات القادمة لن تكون مكتملة دون التوقف عند هذا التحول.