رأي الموقع ـ خاص بوابة صيدا
في ليلة انتخابية مشحونة في ميشيغان، لم يكن فوز "عبد الرحمن السيد" مجرد انتصار محلي في انتخابات تمهيدية، بل لحظة فارقة في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث.
هذا الطبيب والإداري السابق في قطاع الصحة، القادم من خلفية عربية أمريكية، قلب موازين الحزب الديمقراطي في واحدة من أكثر الولايات حساسية انتخابيًا، ليعلن بداية مرحلة جديدة من التمرد على المؤسسة التقليدية داخل الحزب.
صعود التيار الشعبي داخل الحزب الديمقراطي
بدعم من رموز التيار التقدمي مثل "بيرني ساندرز" و "ألكسندرا أوكازيو-كورتيز"، استطاع السيد أن يقدّم نفسه كصوت الطبقة العاملة، متحديًا نفوذ القيادات التقليدية مثل "تشاك شومر" وحاكمة الولاية "غريتشن ويتمر".
تحالفه الانتخابي كان فسيفساء من الشباب، والعرب الأمريكيين، والمجموعات التقدمية التي سئمت من الخطاب السياسي المكرّر.
في المقابل، ركزت منافسته "هالي ستيفنز" على خبرتها المؤسسية، لكنها وجدت نفسها أمام موجة شعبية لا يمكن احتواؤها. فقد نجح السيد في تحويل قضية "غزة" والموقف من "إسرائيل" إلى محور انتخابي حاسم، داعيًا إلى إنهاء المساعدات غير المشروطة ووصف إسرائيل بأنها لا يجب أن تستمر كدولة يهودية، مما أحدث صدمة في أوساط الحزب.
المال والسياسة: معركة غير متكافئة
رغم تفوق ستيفنز المالي بدعم من اللجان السياسية الكبرى، خصوصًا AIPAC، استطاع السيد أن يحوّل ضعف التمويل إلى قوة رمزية. اعتمد على المتطوعين ووسائل التواصل الاجتماعي، فحوّل حملته إلى حركة شعبية حقيقية.
المفارقة أن الإنفاق الضخم من قبل اللوبي الإسرائيلي أثار غضب الناخبين بدل أن يخدم المرشحة المدعومة منه، ليصبح المال السياسي عبئًا لا ميزة.
انعكاسات الفوز على ترمب
لم يكن هذا الانتصار حدثًا ديمقراطيًا فحسب، بل رسالة مباشرة إلى الرئيس دونالد ترمب. فالمزاج الشعبي الذي أوصل السيد إلى الفوز يعكس رفضًا متزايدًا لسياسات ترمب الخارجية، خصوصًا تجاه إسرائيل.
الرجل الذي بنى جزءًا من استراتيجيته على التحالف مع اللوبي الإسرائيلي واليمين المسيحي الصهيوني، يجد نفسه اليوم أمام واقع جديد: ما كان يُعد مكسبًا سياسيًا أصبح عبئًا انتخابيًا في الولايات المتأرجحة.
اتهامات السيد لترمب بالتفريط في المصالح الأمريكية لصالح إسرائيل وجدت صدى واسعًا بين الناخبين الغاضبين من استمرار التورط الأمريكي في الشرق الأوسط.
تداعيات على السياسة الخارجية
فوز السيد يفرض على ترمب إعادة النظر في نهجه تجاه الشرق الأوسط. مشروعه لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" يواجه الآن مقاومة داخلية وخارجية، مع رفض دول مثل باكستان والسعودية الانضمام دون حل القضية الفلسطينية.
كما قد يدفع هذا التحول ترمب إلى تبني موقف أكثر براغماتية تجاه إيران، رغم معارضة جناح "الصقور" داخل حزبه.
تأثيرات داخلية: الهجرة والأمن القومي
انتقادات السيد لسياسات الترحيل والهجرة قد تدفع ترمب لتشديد خطابه ضد الهجرة غير الشرعية، في محاولة لاسترضاء قاعدته المحافظة. لكنه سيواجه معضلة مزدوجة: الحفاظ على صورة "الحامي لمصالح أمريكا" دون أن يبدو تابعًا لأي أجندة خارجية.
تحولات في التحالفات الإقليمية والحزبية
التحالفات التقليدية بين واشنطن وتل أبيب والخليج تمر بمرحلة إعادة تعريف.
داخل الحزب الجمهوري، بدأ يظهر تيار قومي جديد يرى أن إسرائيل لم تعد أصلًا استراتيجيًا بل عبئًا سياسيًا.
تصريحات نائب الرئيس الأمريكي "جاي دي فانس" الأخيرة التي انتقدت النفوذ الإسرائيلي في السياسة الأمريكية تعكس هذا التحول العميق.
السيناريوهات المستقبلية لترمب
- قصير المدى (2026–2027): ضغوط لتعديل سياساته تجاه إسرائيل وإيران، مع محاولات لتقديم إنجاز دبلوماسي يخفف من تداعيات فوز السيد.
- متوسط المدى (2027–2028): إما أن يخسر جزءًا من قاعدته في الولايات المتأرجحة، أو يستخدم فوز السيد لتعبئة المحافظين ضد ما يسميه "التطرف المعادي لإسرائيل".
- طويل المدى (2028–2030): قد يصبح انتقاد إسرائيل مقبولًا سياسيًا في الحزبين، مما يجبر ترمب أو خلفه على إعادة تعريف العلاقة مع تل أبيب وفق مصالح اقتصادية لا أيديولوجية.
تراجع نفوذ AIPAC
اللوبي الإسرائيلي الذي كان يُعرف بـ"صانع الملوك" أصبح اليوم عبئًا انتخابيًا. إنفاقه الضخم في حملات ميشيغان ونيويورك ونيوجيرسي لم يمنع خسارة مرشحيه، بل زاد من نفور الناخبين الشباب الذين يرون في دعمه "قبلة الموت" السياسية.
حتى داخل الحزب الجمهوري، بدأ الدعم لـ AIPAC يتآكل، خصوصًا بين الجيل الجديد من الجمهوريين الذين ينظرون إلى إسرائيل من منظور سياسي لا ديني. هذا التحول يهدد قدرة المنظمة على الحفاظ على نفوذها التقليدي في واشنطن.
نهاية حقبة وبداية أخرى
فوز عبد الرحمن السيد ليس مجرد انتصار انتخابي، بل إعلان عن نهاية مرحلة كانت فيها إسرائيل "خطًا أحمر" في السياسة الأمريكية.
ترمب اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بتحالفاته القديمة ودفع الثمن سياسيًا، أو التكيف مع واقع جديد يصنعه جيل غاضب من الحروب والولاءات الخارجية.
وفي ظل تراجع نفوذ AIPAC، يبدو أن السياسة الأمريكية تتجه نحو عصر جديد تُبنى فيه القرارات على المصلحة الوطنية لا على الضغوط الخارجية.