قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
من قلب دمشق الأموية إلى تخوم جبال البرانس في أوروبا، خطَّ القائد الفذ "موسى بن نصير" واحدة من أعظم الملاحم العسكرية في التاريخ الإسلامي.
هو الرجل الذي لم تُهزم له راية، وصانع استراتيجية دمج البربر التي غيرت وجه التاريخ.
في هذه المادة التوثيقية يفتح "قسم التوثيق في موقع بوابة صيدا" سيرة هذا الفاتح الاستثنائي، نكشف كواليس معاركه الكبرى، ونحلل عبقريته السياسية، وصولاً إلى نهايته الدرامية الحزينة خلف بلاط الخلافة.
وُلد موسى بن نصير عام 19 هـ في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شمال الشام.
والده "نصير" كان مقرباً من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ورئيساً لحرسه.
نشأ موسى في دمشق داخل أروقة الحكم الأموي، فتلقى تربية عسكرية وسياسية رفيعة.
عاصر أحداث الفتنة الأولى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، واكتسب خبرة مبكرة في إدارة الولايات والبحار، حيث شارك موسى بن نصير في فتح قبرص في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه و قيل تولى موسى بن نصير قيادة غزو قبرص.
في عام 73هـ عيَّنه عبد الملك بن مروان معاوناً لأخيه بشر بن مروان في ولاية العراق والبصرة، وهناك اكتسب خبرة إدارية ومالية واسعة.
ولما ولي الحجاج بن يوسف البصرة، اتهم موسى باختلاس أموال خراج البصرة، فغضب عليه الخليفة عبد الملك بن مروان وأغرمه، ولم ينقذه من هذا الاتهام سوى عبد العزيز بن مروان، (والد عمر بن عبد العزيز) الذي تحمّل نصف الغرامة المالية، وأخذه معه لولايته في مصر.
عيَّنه عبد العزيز بن مروان (والي مصر) حاكماً على إفريقية (تونس الحالية وما حولها)، و كان الإقليم يمر بحالة اضطراب شديد بعد مقتل القائد حسان بن النعمان وتجدد ثورات البربر.
استطاع موسى أن يخمد ثورات البربر المتعاقبة، ويعيد فتح المناطق التي كان البربر قد انتزعوها من المسلمين بعد فتحها أول مرة، وبعث بالغنائم إلى عبد العزيز الذي بعثها بدوره إلى الخليفة عبد الملك بن مروان، فسكن غضب عبد الملك على موسى.
اهتم موسى بنشر الإسلام بين البربر ومسالمتهم واستمالة رؤوسهم، وعلى رأسهم طارق بن زياد ليضمن ألا ينزعوا للثورة مجددًا، فانضم إلى جيشه الآلاف منهم بعد إسلامهم.
خاض معارك طاحنة لفتح المغرب الأقصى الساحلي والداخلي (السوس الأقصى)، وطهّر السواحل من القراصنة البيزنطيين، وأسس دار الصناعة (ترسانة بحرية) في تونس لبناء أسطول إسلامي قوي.
في عام 89 هـ، وجه موسى ابنه عبد الله لغزو جزر البليار، فافتتح ميورقة ومنورقة، كما أرسل حملات لغزو سردانية وصقلية، عادت محملة بالغنائم. كما استطاع فتح طنجة، ولم يبق بذلك في المغرب الأقصى سوى سبتة التي كانت تحت حكم يوليان القوطي.
في عام 90 هـ، راسل الكونت يوليان موسى بن نصير وقيل قائده في طنجة طارق بن زياد يدعو المسلمين لغزو الأندلس، لعداوة بينه وبين رودريك ملك القوط.
كتب موسى للوليد يخبره بدعوة يوليان، فأمره باختبارها بالسرايا، ولا يغرر بالمسلمين بخوض بحر شديد الأهوال. إلا أن موسى طمأنه بأنه ليس بحرًا وإنما خليج، فرد الوليد بأنه وإن كان خليجًا اختبره بالسرايا.
فأرسل موسى في رمضان 91هـ سرية من 400 مقاتل ومائة فارس بقيادة طريف بن مالك، فنزلوا جزيرة سميت بعد ذلك بجزيرة طريف، أصابت مغانم كثيرة.
عندئذ، جهز موسى جيشًا من 7000 مقاتل معظمه من البربر وولى قيادته طارق بن زياد، وأمره بالعبور للأندلس عام 92 هـ.
فجاز طارق بجنوده في 5 رجب 92 هـ (01 أيار / مايو 711م) إلى موضع الجبل الذي ينسب إليه اليوم. وحين بلغ رودريك خبر جيش طارق جمع جيشًا عظيمًا بلغ نحو مائة ألف مقاتل، وزحف به من عاصمته طليطلة. وحين بلغ طارق خبر حجم حشود رودريك، استمد موسى فأمده بخمسة آلاف مقاتل، ليصبح جيشه 12000 مقاتل.
التقى الجيشان في 28 رمضان 92 هـ (17 تموز / يوليو 711م) قرب شذونة جنوب بحيرة خندة عند وادي لكة، فهزم المسلمون جيش رودريك، وفر رودريك ولم يظهر مرة أخرى.
ثم قسم طارق جيشه فبعث مغيث الرومي مولى الوليد بن عبد الملك في سبعمائة فارس إلى قرطبة، وأرسل مجموعات أخرى إلى إلبيرة ورية، وتوجه هو بباقي الجيش إلى طليطلة.
نجحت مجموعات قرطبة وإلبيرة ورية في فتح تلك المناطق، كما دارت معركة صغيرة بين المسلمين والقوط في تدمير (إحدى كور شرق الدولة الأموية في الأندلس، وقاعدتها مدينة مرسية) نتج عنها معاهدة بين المسلمين وقائد القوط ثيوديمير.
أرسل طارق إلى موسى يُعلمه بالفتح. فأرسل موسى إلى الوليد بن عبد الملك يبشره، وإلى طارق يأمره بأن لا يستكمل الفتح ويبقى بقرطبة حتى يلحق به.
في رجب 93 هـ عبر إلى الأندلس، وسلك موسى طريقًا غير الذي سلكه طارق، وافتتح مدن شذونة وقرمونة وإشبيلية وباجة وماردة، ثم ثار أهل إشبيلية على حاميتها من المسلمين وقتلوهم، فأرسل لهم موسى ولده عبد العزيز فأعاد فتحها، ومنها افتتح عبد العزيز لبلة.
ثم سار موسى يريد دخول طليطلة، فلقيه طارق في طلبيرة، وأنّبه على مخالفته له في بعض الأمور ثم سارا معًا إلى طليطلة، ثم أرسل من افتتح سرقسطة ومدنها، وواصلا الزحف شمالاً حتى بلغا تخوم جبال البرانس (الحدود الفرنسية الحالية).
في عام 95 هـ، استدعاه الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى دمشق فخرج موسى ومعه طارق بن زياد ومغيث الرومي يريدون دمشق، واستخلف ولده عبد العزيز مكانه الذي اتخذ من إشبيلية قاعدة له.
وعند وصوله كان الوليد يحتضر، فتولى سليمان بن عبد الملك الخلافة، وكان ناقماً على موسى (بسبب خلافات حول توقيت الدخول لدمشق).
عُزل موسى، وصودرت أملاكه، واتهمه سليمان باختلاس أموال وسجنه وأغرمه، ولم ينقذه سوى شفاعة يزيد بن المهلب الذي كانت له حظوة عند سليمان.
توفي موسى بن نصير عام 97 هـ (716م) وهو فقير لا يملك شيئاً، وكان في رفقة الخليفة سليمان بن عبد الملك أثناء رحلة الحج، فمات في الطريق بـ وادي القرى ودُفن هناك.
أجمع المؤرخون (كالذهبي وابن خلكان) على أن موسى بن نصير كان:
كليماً، خطيباً، شجاعاً، حازماً، وذا رأي تدبيري ثاقب.
و كان يُعرف بـ "مستجاب الدعوة" لورعه وتقواه رغم انغماسه في الحروب.
قال عنه ابن خلكان: «لم يُهزم له جيشٌ قطُّ.»
ويُعد موسى بن نصير من التابعين، وقد روى عن تميم الداري، وروى عنه يزيد بن مسروق اليحصبي.
يمكن تلخيص الأثر الاستراتيجي لموسى بن نصير في نقطتين جوهريتين:
1) تحويل المغرب من جبهة استنزاف إلى قاعدة انطلاق: قبل موسى، كان المغرب العربي مستنزِفاً لجيوش الأمويين (استشهاد عقبة بن نافع وزهير بن قيس) موسى حوّل البربر من "أعداء للدولة" إلى "جنود الفتح الإسلامي"، وبدون هذا التحول السوسيولوجي والعسكري لما كُتب للأندلس أن تُفتح.
2) تأمين الخاصرة الغربية للخلافة: بفتحه للأندلس وتأسيس القوة البحرية، نقل المسلمون خط الدفاع الأول من شواطئ الشام ومصر إلى عمق البحر المتوسط وجنوب أوروبا، مما أمن الدولة الأموية من الهجمات المباغتة للبيزنطيين والغرب لقرون طويلة، ووضع حجر الأساس لـ "الحضارة الأندلسية" التي أنارت أوروبا في العصور الوسطى.
ـــــــــــ
إقرأ أيضاً
يوم غضب كنكا موسى من أجل أم وابنتها..
شيخ الإسلام ابن تيمية ينقذ دمشق من مذبحة مغولية صليبية