• لبنان
  • الأحد, أيار 24, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 1:49:07 ص
inner-page-banner
صفحات تاريخية

37 عاماً على غياب مفتي الوحدة: الشيخ حسن خالد.. اليوم الذي فخخوا فيه الاعتدال لتمكين الوصاية

بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم، السادس عشر من أيار عام 1989، هز بيروت انفجارٌ لم يستهدف جسد رجل دين فحسب، بل استهدف مشروع الدولة، والسيادة، والعيش المشترك. 

باعتداله الشجاع ورفضه للتبعية، كان المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد يمثل جدار الصد الأخير في وجه تمزيق لبنان وإخضاعه.

قتلوه لكي تخلو الساحة لأمراء الحرب وصناع الفتن، ولكي يمر قطار الوصاية فوق أنقاض الوطن.

اليوم، تعيد "بوابة صيدا" فتح كتاب الشهادة لـ "مفتي الجمهورية اللبنانية"، لنستذكر الرجل الذي قال "لا" في زمن الانبطاح، فدفع حياته ثمناً ليبقى لبنان عربياً، حراً، ومستقلاً.

المفتي حسن خالد يُعدّ من أبرز الشخصيات الدينية والوطنية في تاريخ لبنان الحديث، ومن أكثر رجال الدين السنّة تأثيرًا خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية.

ارتبط اسمه بالدعوة إلى الاعتدال، والحفاظ على وحدة الدولة اللبنانية، ورفض التقسيم والطائفية، كما شكّل مرجعية سياسية وروحية للطائفة السنية في مرحلة كانت فيها مؤسسات الدولة تتفكك تحت ضغط الحرب والتدخلات الإقليمية.

ولد الشيخ حسن خالد في بيروت عام 1921م، وتلقى تعليمه في مدارس المقاصد ثم في أزهر لبنان، قبل أن يتابع دراسته العليا في جامعة الأزهر حيث نال شهادة في أصول الدين سنة 1946.

بعد عودته إلى لبنان عمل في القضاء الشرعي والتعليم الديني، ثم انتُخب مفتيًا للجمهورية اللبنانية في يوم الأربعاء في 21 كانون الأول / ديسمبر 1966م (9 رمضان 1386هـ) خلفًا للمفتي محمد علايا، وبقي في المنصب حتى اغتياله عام 1989م.

كما تولى رئاسة مجلس القضاء الشرعي الأعلى في لبنان، و رئاسة المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى في لبنان، وكان نائب رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، ونائب رئيس الهيئة الإسلامية الخيرية العالمية في الكويت، وعضو المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضو المجمع الفقهي في منظمة الدول الإسلامية في جدة، وعضو مجمع البحوث الإسلامية في مصر.

وكان الشيخ حسن خالد يُعرف بعلاقاته الواسعة مع القيادات الإسلامية والمسيحية على السواء، كما احتفظ بعلاقات عربية قوية، لا سيما مع السعودية ومصر ودول الخليج. وقد اعتُبر مرجعًا أساسيًا للقيادات السنية اللبنانية، و كان نموذجاً للاعتدال والوسطية، ويُلقب بـ "أبو الاعتدال" نظراً لجهوده المستمرة في لم شمل الطوائف اللبنانية المتناحرة خلال الحرب الأهلية (1975 - 1990) .

رفض الشيخ حسن خالد رفضا قاطعاً طروحات "التقسيم" أو "الفيدرالية"، وكان يؤكد دائماً أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، مسلمين ومسيحيين، و قاد جبهة عريضة لرفض الأمن الذاتي والميليشياوي، داعياً إلى بسط سلطة الدولة والجيش اللبناني وحده على كامل الأراضي، و أسس مع الإمام موسى الصدر والمطران غريغوار حداد وغيرهما لغة حوار دائم، وعقد قممًا روحية إسلامية - مسيحية لسحب الذرائع الطائفية من الشارع أثناء الحرب، كما دعم نضال الشعب الفلسطيني، لكنه تمسك بضرورة تنظيم هذا الوجود تحت سقف السيادة والقانون اللبناني لمنع انهيار الدولة.

كان الشيخ خالد يؤمن بأن وحدة المسلمين في لبنان هي بوابة للوحدة اللبنانية الشاملة، و عمل طوال فترة الحرب على إبقاء الطائفة السنية بمعزل عن الانخراط المباشر في الحرب الأهلية، ونجح بشكل كبير في منع تشكيل ميليشيات سنية مستقلة، محافظاً على دور السنة كعنصر استقرار وليس كطرف محارب.

في عام 1988م دخل لبنان في واحدة من أخطر مراحل الحرب الأهلية بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل دون انتخاب خلف له، فتشكلت حكومتان متنافستان:

* حكومة عسكرية برئاسة ميشال عون في المنطقة الشرقية.

* وحكومة مدنية برئاسة سليم الحص في بيروت الغربية.

في تلك المرحلة، كانت سوريا بقيادة حافظ الأسد اللاعب الإقليمي الأقوى داخل لبنان، عبر وجود عسكري وأمني واسع منذ 1976م. لكن العلاقة بين دمشق والمفتي حسن خالد لم تكن مستقرة، رغم أنه لم يكن خصمًا عقائديًا مباشرًا لسوريا.

فكان الشيخ حسن خالد يرفض الهيمنة السورية الكاملة على القرار اللبناني، و استخدام الساحة اللبنانية لتصفية الحسابات الإقليمية، و إضعاف المرجعيات السنية اللبنانية المستقلة.

وفي الوقت نفسه، لم يكن منخرطًا في مشروع عسكري مضاد لسوريا، بل كان يحاول لعب دور توافقي عربي ـ لبناني، خصوصًا مع اقتراب النقاشات التي أدت لاحقًا إلى اتفاق الطائف. لذلك نظر إليه كثيرون كشخصية سنية وطنية مستقلة يصعب احتواؤها بالكامل.

في يوم الثلاثاء، 16 أيار / مايو 1989م (11 شوال 1409هـ) وأثناء مروره بسيارته بالقرب من دار الفتوى في منطقة عائشة بكار في بيروت، انفجرت سيارة مفخخة كانت مركونة على جانب الطريق، يُقدر وزنها بأكثر من 100 كيلوغرام من المتفجرات، ما أدى إلى استشهاده و20 شخصاً آخرين على الأقل بينهم سائقه ومرافقوه، بالإضافة إلى إصابة العشرات من المدنيين.

كان التفجير ضخمًا وأدى إلى صدمة واسعة داخل لبنان والعالم العربي.

لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها رسميًا، ولكن توجهت اصابع الاتهام للنظام السوري الذي كان يحتل لبنان، فيما سارعت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) إلى اتهام ميشال عون (قائد الجيش ورئيس الحكومة العسكرية آنذاك) بالوقوف وراء التفجير، وهو ما اعتُبر على نطاق واسع بمثابة محاولة سورية مكشوفة لتوجيه الاتهام وتبرئة نفسها، وهي تكتيك متبع في مثل هذه العمليات .

كان المفتي حسن خالد يمثل مرجعية سنية مستقلة ذات شرعية شعبية ودينية واسعة، وهو ما كان يُنظر إليه كعائق أمام إحكام السيطرة السورية على البيئة السنية اللبنانية.

ومن منظور تاريخي، يمكن القول إن الشيخ حسن خالد كان من آخر الشخصيات الدينية اللبنانية التي امتلكت في آن واحد:

* الشرعية الدينية التقليدية،

* والوزن الوطني العابر للطوائف،

* والعلاقات العربية المؤثرة،

* والاستقلال النسبي عن مراكز القوة المسلحة.

رحل المفتي الشيخ حسن خالد بجسده، لكن دار الإفتاء التي قادها بالحق بقيت شاهدة على أن العمامة البيضاء لا تنحني إلا لله. 

 

ــــــــــــ

إقرأ ايضاً

7 أيار 2008: عناصر حزب الله وحركة أمل يجتاحون مدينة بيروت وبعض مناطق جبل لبنان 

سوريا تسحب آخر جنودها في لبنان... بعد 29 عامًا من الاحتلال العسكري

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة