بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم 18 ايار / مايو من عام 1965م (18 محرم 1385هـ)، استيقظت دمشق على مشهد إعدام "كمال أمين ثابت" في ساحة المرجة، لتتكشف واحدة من أخطر اختراقات الموساد في التاريخ.
إيلي كوهين، الرجل الذي كاد أن يصبح وزيراً في سوريا، سقط تحت أقدام التكنولوجيا السوفيتية ويقظة الأمن السوري.
اليوم، تعيد "بوابة صيدا" فتح الصندوق الأسود لأشهر عملية تجسس في الشرق الأوسط: كيف صعد؟ وكيف فضحته شحنات اللاسلكي الصامتة؟"
ولد إيلي كوهين في الإسكندرية بمصر في 26 كانون الأول / ديسمبر 1924م (30 جمادى الأولى 1343هـ) لعائلة يهودية ذات أصول سورّية (من حلب)، وهذا القيد العائلي كان مفتاح اختيار الموساد له؛ نظراً لإتقانه اللهجة السورية واللغة العربية بطلاقة.
في عام 1944م انضم كوهين إلى منظمة الشباب اليهودي الصهيوني في الإسكندرية وبدأ متحمساً للسياسة الصهيونية تجاه البلاد العربية.
وبعد حرب 1948م أخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين.
في عام 1949م هاجر أبواه وثلاثة من أشقائه إلى فلسطين المحتلة بينما تخلّف هو في الإسكندرية ليعمل ضمن شبكة للمخابرات الصهيونية بمصر نفذت سلسلة من التفجيرات ببعض المنشأت الأمريكية في القاهرة والإسكندرية بهدف إفساد العلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية.
وفي عام 1954م، تم إلقاء القبض على أفراد الشبكة في فضيحة كبرى عرفت حينها بفضيحة لافون، وقد استطاع كوهين إقناع المحققين ببراءته من التفجيرات، ومن الانتساب إلى شبكة التجسس..
بعد خروجه من مصر عام 1955م التحق بالوحدة رقم 131 بجهاز الموساد ثم أعيد إلى مصر ولكنه كان تحت أعين المخابرات المصرية التي لم تنس ماضيه فاعتقلته مع بدء العدوان الثلاثي على مصر في تشرين أول / أكتوبر 1956.
بعد الإفراج عنه، هاجر إلى فلسطين عام 1957م حيث استقر به المقام محاسباً في بعض الشركات، وقد رأت المخابرات الإسرائيلية في كوهين مشروع جاسوس جيد فتم إعداده ليكون جاسوسا في سوريا.
رتبت له المخابرات الإسرائيلية قصة ملفقة يبدو بها سورياً مسلماً يحمل اسم كامل أمين ثابت هاجر وعائلته إلى الإسكندرية ثم سافر عمه إلى الأرجنتين عام 1946 حيث لحق به كامل وعائلته عام 1947. وفي عام 1952، توفي والده في الأرجنتين بالسكتة القلبية كما توفيت والدته بعد ستة أشهر وبقي كامل وحده هناك يعمل في تجارة الأقمشة.
تم تدريبه على كيفية استخدام أجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكي والكتابة بالحبر السري كما راح يدرس في الوقت نفسه كل أخبار سوريا ويحفظ أسماء رجالها السياسيين والبارزين في عالم الاقتصاد والتجارة. مع تعليمه القرآن وتعاليم الدين الإسلامي.
في 3 شباط / فبراير 1961م (18 شعبان 1380هـ) غادر كوهين فلسطين إلى زيوريخ، ومنها إلى الأرجنتين، تم تعيينه في شركة للنقل وظل كوهين لعدة أشهر يبني وجوده في العاصمة الأرجنتينية كرجل أعمال سوري ناجح فكون لنفسه هوية لا يرقى إليها الشك، واكتسب وضعا متميزاً لدى الجالية العربية في الأرجنتين، باعتباره رجلاً وطنياً شديد الحماس لبلده وأصبح شخصية مرموقة.
سافر إلى سوريا في كانون الثاني / يناير 1962 بعد أن قام بتصفية كل أعماله في الارجنتين، وفي الشهور الأولى تمكن كوهين من إقامة شبكة واسعة من العلاقات المهمة مع ضباط الجيش والمسؤولين العسكريين السوريين.
تزامنت عودته مع اضطرابات سياسية أدت لاحقاً إلى تسلم حزب البعث للسلطة عام 1963م، وأصبح صديقه القديم، أمين الحافظ، رئيساً للبلاد.
اعتمد كوهين على استراتيجية "البذخ والضيافة"؛ حيث استأجر شقة فاخرة مطلة على مقر قيادة الجيش السوري ووزارة الدفاع، وحولها إلى صالون سياسي واجتماعي يرتاده قادة الجيش، السياسيون، والإعلاميون.
كان من المعتاد أن يزور أصدقاءه في مقار عملهم، وكانوا يتحدثون معه بحرية عن تكتيكاتهم في حالة نشوب الحرب مع إسرائيل والأسلحة التي يمتلكها الجيش السوري.
بفضل الثقة المطلقة التي نالها، عُرضت عليه مناصب سياسية (تردد أنه كان مرشحاً لمنصب معاون وزير الدفاع). في أيلول/ سبتمبر 1962 تمكن من زيارة تحصينات الجبهة السورية في هضبة الجولان، والتقط صوراً للتحصينات والمواقع، وقدم مقترحاً شهيراً بزراعة أشجار الكينيا (الكينا) لمساعدة الجنود السوريين على الاختباء من الشمس، وهي الأشجار التي استخدمتها إسرائيل لاحقاً كـ "علامات جغرافية" لقصف الخنادق السورية في حرب 1967م.
وفي عام 1964م زود كوهين قادته في تل أبيب بتفصيلات وافية للخطط الدفاعية السورية في منطقة القنيطرة. وفي تقرير آخر، أبلغهم بوصول صفقة دبابات روسية من طراز ت-54 وأماكن توزيعها وكذلك تفاصيل الخطة السورية التي أعدت بمعرفة الخبراء الروس لاجتياح الجزء الشمالي من دولة الاحتلال في حالة نشوب الحرب.
كان كوهين يرسل تقاريره اللاسلكية بشكل شبه يومي وفي أوقات منتظمة، وهو ما يمثل خرقاً بروتوكولياً لأمن الجواسيس، لأن البث المتكرر يسهل عملية الرصد الترددي.
اشتكت السفارة الهندية (التي كانت قريبة من شقة كوهين) للخارجية السورية من وجود تشويش راديوي دائم يقطع اتصالاتها الدبلوماسية، فاستعانت المخابرات السورية بخبراء من الاتحاد السوفيتي زودوها بأجهزة تعقب متطورة وسيارات رصد ومسح للترددات.
في مطلع عام 1965م، أمر الأمن السوري بقطع التيار الكهربائي كاملاً عن حي أبو رمانة (حيث يقطن كوهين) مع الإبقاء على أجهزة الرصد تعمل. في تلك اللحظة، كان كوهين يبث رسالة إلى تل أبيب مستخدماً بطارية خارجية، فالتقطت أجهزة الرصد مكانه بدقة متناهية. داهمت وحدة عسكرية الشقة وألقت القبض عليه متلبساً وجهاز اللاسلكي بيده.
شكل اعتقال كوهين صدمة هائلة للنظام السوري برئاسة أمين الحافظ، نظراً لحجم الاختراق الذي طال الدائرة المقربة من الرئاسة، و خضع كوهين لتحقيقات قاسية ومحاكمة عسكرية علنية استثنائية.
رُفضت كل الوساطات الدولية وعروض التبادل (التي شملت فدائيين وأموالاً وأدوية) التي قدمتها إسرائيل.
في 18 أيار / مايو 1965م (18 محرم 1385هـ) نُفذ بحقه حكم الإعدام شنقاً في ساحة المرجة بوسط دمشق، وتم إبقاء جثته معلقة لعدة ساعات ليكون عبرة لغيره.
طلب الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين مطلع عام 2017 من نظيره الروسي فلاديمير بوتين حليف النظام السوري السابق المساعدة على نقل رفات الجاسوس إيلي كوهين، إلى فلسطين ليتم دفنه في مقبرة يهودية، وقد وعد بوتين نظيره الإسرائيلي ببحث الموضوع.. وكانت السلطات السورية رفضت من قبل طلبات العدو المتكررة بهذا الشأن، بزعم أنها لا تعلم مكان دفن الرفات.
وفي نيسان / أبريل 2019 قالت صحيقة "جيروزاليم بوست" الصهيونية نقلا عن تقارير سورية، إن الوفد الروسي الذي زار سوريا مؤخرا، غادر وهو يحمل تابوتا يضم رفات الجاسوس الصهيوني، إيلي كوهين، ولم تنف أي مؤسسة في دولة الإحتلال الصهيوني، بشكل رسمي، ما ورد بشأن نقل رفات الجاسوس، وقال مراسل القناة الثانية، يارون أفراهام، إن النشر بشأن القضية لم يعد ممنوعا في الوقت الحالي.
وكان جهاز الموساد قال الخميس 12 نيسان / أبريل 2019م (7 شعبان 1440هـ) إنه تمكن في وقت سابق من استعادة ساعة جاسوس صهيوني أعدم في سوريا عام 1965.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
معركة تحرير الفاو.. المعركة الفاصلة في الحرب العراقية الإيرانية
تيمورلنك يزحف بقواته الجرارة.. ويرتكب المجازر في بلاد المسلمين