• لبنان
  • الأحد, أيار 24, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 5:39:28 ص
inner-page-banner
صفحات تاريخية

صانع الأوهام: كيف وظّف "لورانس العرب" ذكاءه الاستخباري لجر المنطقة العربية إلى فخ سايكس بيكو؟

بوابة صيدا ـ هل يمكن لثعلب الإمبراطورية أن يرتدي عباءة المنقذ؟ 

في تاريخنا العربي فصولٌ كُتبت بدموع الخديعة، وثوراتٌ سُرقت جهاراً نهاراً في صالونات المستعمرين، ولعل أشدها إثارة للذهول هي قصة الرجل الذي عاش بيننا بلسانٍ بدوي وقلبٍ بريطاني خالص.

توماس إدوارد لورانس... الاسم الذي حوّله الإعلام الغربي إلى أسطورة رومانسية حالمة، وتغنّت به بعض أقلامنا كصديقٍ وفّي للعرب، لم يكن في حقيقة الأمر سوى خنجر استخباراتي ناعم، غُرس بدقة متناهية في خاصرة طموحاتنا بالوحدة والاستقلال.

في هذا التحليل الصادم، تزيح "بوابة صيدا" الستار عن الصندوق الأسود لـ "لورانس العرب" لتكشف بالوثائق كيف تحول "رداء البدو" إلى قناعٍ أخفى خلفه ملامح "سايكس بيكو".

وكيف هندست أصابعه الخفية أولى لبِنَات الوطن القومي لليهود في فلسطين، بينما كان أجدادنا يبذلون دماءهم على رمال الصحراء بحثاً عن سراب الحرية!

ولد لورانس في 16 آب / أغسطس 1888م (9 ذو الحجة 1305هـ) وظهر اهتمامه وولعه بدراسة علم الآثار والتاريخ. ولما لاحظ فيه والده ذلك اصطحبه معه في زيارته لباريس لمشاهدة الحفريات والآثار المذهلة.

زار لورانس الشرق الأوسط ثلاث مرات، كانت أولى رحلاته في 18 حزيران / يونيو 1909م (1 جمادى الآخرة 1327هـ) فزار بيروت وصيدا النبطية وطرابلس ووادي الأردن والبحر الميت، والاسكندرية والقاهرة..

أتقن اللغة العربية بلهجاتها البدوية، وعاشر القبائل، وارتدى زيهم، وتبنى عاداتهم في الأكل والترحال، مما أزال الحواجز النفسية بينه وبين رجالات القبائل.

عندما قامت الحرب العالمية الأولى أعلنت الدولة العثمانية الحرب على إنكلترا، و كانت الدولة العثمانية تعاني من كراهية بعض العرب لحكمها.. فسعت إنكلترا للاستفادة من إمكانياتها في المنطقة لتحقيق نصر في الحرب.

فقام السير "جليبرت كلايتون" باستدعاء لورانس بعد أن ذاع صيته بين العرب كعالم آثار وأنه نصير القضايا العربية إلى مكتبه بمقر القيادة العليا للجيوش البريطانية في القاهرة. وأمر كلايتون بتعيين لورانس في قسم الخرائط، ونقله إلى قسم المخابرات السرية، وكان لورانس يحفظ المواقع التركية عن ظهر قلب مما ساعد الأنكليز كثيرا.

و كان الشريف حسين يفكر في قيام بثورة ضد العثمانيين، و تأسيس دولة عربية، فقام بتأليب العرب ضد العثمانيين، وذلك أثناء الحرب العالمية الأولى، فاستغل لورانس الموقف، وبدأ يعمل على جمع المعلومات الإستخباراتية عن الثورة العربية المحتملة، وسعى من خلال صداقاته بزعماء القبائل العربية بتشجيعهم على التمرد على العثمانيين، وأنهم إذا أرادوا حكم أنفسهم فليس لديهم خيار سوى التمرد على العثمانيين واعلان الحرب عليهم.

وكان لورانس يعمل بجد لإدخال العرب في مواجهة مع العثمانيين، ونقل إليهم رسالة بريطانية مفادها أنكم ستحصلون على استقلالكم كدولة عربية موحدة إذا حاربتم إلى جانبنا، واستطاع لورانس إقناع العرب بمصداقية الرسالة البريطانية، وطالبهم بمهاجمة ميناء العقبة والسيطرة عليه وستساعدهم بريطانيا في حربهم ضد العثمانيين، و فاجأت القوات العربية القوات العثمانية المتواجدة في العقبة، فدارت معركة ضخمة بين العرب والعثمانيين سقط فيها آلاف القتلى من الجانبين..

وكان لورانس يقاتل في الصفوف الأمامية ضد العثمانيين، ويفجر خطوط السكك الحديدية، وقاد هجمات جريئة مثل الاستيلاء على العقبة، وأصر على أن يكون "مساعدًا" وليس "قائدًا" لهم، مما عزز مصداقيته، وأوجد انطباعاً بأنه "عربي الهوى" أكثر من البريطانيين أنفسهم.

و بينما كان لورانس يعد العرب بالاستقلال (نيابة عن بريطانيا) مقابل قتالهم العثمانيين، كانت بريطانيا وفرنسا قد وقعتا سرًا على اتفاقية سايكس-بيكو (1916) لتقسيم أراضي العرب فيما بينهما، و كان على دراية تامة باتفاقية "سايكس بيكو" ومع ذلك استمر في حث العرب على التقدم نحو دمشق وبذل الدماء، واعداً إياهم بدولة عربية موحدة.

الحقيقة التي تؤكدها الوثائق التاريخية البريطانية هي أن دور لورانس الأساسي كان إبقاء العرب في حالة قتال ضد العثمانيين لتخفيف الضغط عن الحلفاء في جبهات أوروبا والشرق الأوسط، مع علمِهِ المسبق بأن الوعود الممنوحة لهم بالاستقلال كانت وعوداً كاذبة، و أنه يضلل أصدقاءه العرب، و اعترف بذلك صراحة في مذكراته "أعمدة الحكمة السبعة" فقال: "كان علي أن أنضم إلى المؤامرة وأؤكد للرجال مكافأتهم... من الأفضل أن ننتصر ونخلف بوعدنا على أن نخسر".

و كان لورانس متحمسًا لدعم المشروع الصهيوني لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، فهو لم ير في اليهود تهديدًا، بل أداة لإحياء الشرق "المتخلف" كما يصفه، و صرح علنًا قائلا: "بما أنني لست يهوديًا، أنا بالتأكيد مؤيد للصهيونية... أنظر إلى اليهود على أنهم المستوردون الطبيعيون للخميرة الغربية الضرورية لبلدان الشرق الأدنى"، و كان يؤمن بضرورة وجود كيان حليف للغرب في قلب العالم العربي لضمان تفوق المصالح الإمبراطورية.

عند سقوط القدس بيد البريطانيين شارك توماس أو لورانس العرب في الاحتفالات مرتديًا الزي العسكري البريطاني..

و كان لورانس العراب الأساسي والوسيط في صياغة الاتفاق الشهير بين الأمير "فيصل بن الحسين" و "حاييم ويزمان" (رئيس المنظمة الصهيونية العالمية). واستغل لورانس ثقة فيصل ليدفعه لتوقيع اتفاق عام 1919م يربط بين الاستقلال العربي وتسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وبناء "وطن قومي".

و كان لورانس مقتنعًا بسذاجة بأنه خلال "أربع أو خمس سنوات، تحت تأثير سياسة عادلة، ستختفي المعارضة للصهيونية أو تتناقص بشكل كبير"، و أثبت التاريخ لاحقًا سذاجة هذا الاعتقاد بشكل مأساوي.

كان لورانس يحمل نظرة دونية تجاه العرب وحضارتهم، فقد وصفهم في كتاباته بأنهم "أمة محدودة ضيقة الأفق... لا يظهرون أي شوق للصناعة العظمى... يخترعون أنظمة فلسفية أو ميثولوجيات".

لم يكن يحبهم كشعب بقدر ما كان مفتونًا بالبدو الرحّل "النبلاء" في الصحراء، بينما كان يحتقر سكان المدن المتحضرين الذين اعتبرهم فاسدين.

لقي توماس أو لورانس مصرعه نتيجة سقوطه من على دراجته النارية في 19 أيار / مايو 1935م (16 صفر 1354هـ).

 

ــــــــــــــ

إقرأ أيضاً

استسلام الثائرين في ثورة القاهرة الثانية بعد إحراق المدينة.. ومجازر ارتكبها الجيش الفرنسي

العصابات الأرمنية ترتكب مجزرة مروعة بحق المسلمين.. وتقتل الآلاف منهم

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة