بوابة صيدا
في أعماق القرن التاسع عشر، وُلدت جوليا باسترانا بجسدٍ غريب الملامح، غطّى الشعر وجهها وجسدها، فحوّلها المجتمع إلى "فرجة" تُعرض في السيرك تحت لقب "المرأة القرد".
لم يرَ الناس في صوتها العذب ولا في لغاتها المتعددة سوى مظهرها المختلف، فاستُغلت حيّةً في العروض، ثم لم تُترك حتى بعد موتها؛ إذ جابت جثتها المحنطة مسارح أوروبا لأكثر من مئة وخمسين عامًا.
كانت قصتها مرآةً لقسوة البشر حين ينسون أن وراء الغرابة إنسانًا يستحق الاحترام، وأن الكرامة لا تُقاس بالمظهر، بل بالإنسانية التي حُرمت منها جوليا حتى بعد أن أغمضت عينيها إلى الأبد.
فمن هي جوليا باسترانا؟ وكيف استمرت رحلة عذابها 153 عاماً بعد موتها قبل أن تسترد كرامتها في تابوت من حرير؟
"جوليا باسترانا" امرأة من السكان الأصليين في المكسيك، ولدت في آب / أغسطس 1834 في مكان ما في ولاية سينالوا.
وُلدت بحالة وراثية تُعرف باسم فرط الشعر النهائي (أو فرط الشعر العام الوبراني)؛ كان وجهها وجسدها مغطيان بشعر أسود مستقيم، و كانت أذناها وأنفها كبيرين بشكل غير عادي، وكانت أسنانها غير منتظمة.
أطلقوا عليها اسم "امرأة الذئب" و عاشت مع والدتها حتى وفاة والدتها، ثم باعها عمها إلى السيرك.
اشترى "فرانسيسكو سيبولفيدا"، موظف الجمارك في مازاتلان، "باسترانا" وأحضرها إلى الولايات المتحدة. في البداية، كانت "باسترانا" تؤدي الألعاب البهلوانية تحت إدارة ج. و. بيتش، ولكن في عام 1854، هربت مع ثيودور لينت، وتزوجته في بالتيمور، ماريلاند.
تولى زوجها إدارة أعمالها، وجالت معه في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا.
رغم مظهرها الذي كان يُسوق له كـ "وحشي"، كانت جوليا امرأة مثقفة جداً؛ كانت تجيد الغناء والرقص ببراعة، وتتحدث ثلاث لغات، وعُرفت بطيبتها الشديدة وذكائها الحاد.
تم الإعلان عن باسترانا ككائن هجين بين إنسان وحيوان وعملت في العروض الجانبية وعروض الغرائب تحت أسماء المسرح "سيدة البابون"، "المرأة ذات الوجه الكلب"، "المرأة الشعرية"، "المرأة ذات وجه القرد"، "امرأة القرد"، "امرأة الدب"، و"غير المحددة".
في عام 1860، وضعت جوليا مولوداً في موسكو ورث عنها حالتها الطبية، لكنه توفي بعد خمسة ايام فقط في 25 آذار / مارس 1860، ولحقت به جوليا بعد فترة وجيزة نتيجة مضاعفات الولادة.
خلال حياتها، نظمت إدارة باسترانا إجراء فحوصات لها على يد أطباء وعلماء، أحد الأطباء، ألكسندر ب. موت، أكد أنها كانت نتيجة تزاوج بين إنسان و"أورانغوتان". بينما أعلن الدكتور س. برينارد من كليفلاند، أنها من "نوع متميز".
ناقش تشارلز داروين حالتها بعد وفاتها، واصفًا إياها: "جوليا باسترانا، راقصة إسبانية، كانت امرأة رائعة بشكل ملحوظ، لكنها كانت تحمل لحية سميكة ذكورية وجبهة مشعرة؛ تم تصويرها، وعُرض جلدها المحنط كعرض؛ ولكن ما يهمنا هو أنها كانت تمتلك في كل من الفك العلوي والسفلي مجموعة مزدوجة غير منتظمة من الأسنان، حيث كانت صف واحد داخل الآخر، وقد أخذ الدكتور بيرلاند قالبًا لها. ومن فائض الأسنان، كان فمها بارزًا، وكان وجهها يشبه وجه الغوريلا".
بعد وفاتها، لم يتوقف زوجها "لنت" عن استغلالها، فقام بتحنيط جثتها وجثة طفلها وعرضهما في خزائن زجاجية حول العالم لجني الأموال.
على مدى أكثر من مئة عام، كانت جثتا باسترانا وابنها معروضتين حول العالم في المتاحف وحدائق الحيوانات وحدائق الملاهي.
ظهرتا في النرويج عام 1921 وجابتا الولايات المتحدة حتى عام 1972.
في عام 1972 أثارت جولة لجثتهما في السويد معارضة كبيرة، مما أدى إلى سحب الجثتين من العرض العام.
بعد حملة ضغط دولية قادتها الفنانة المكسيكية "لورا أندرسون بارباتا"، وافقت النرويج على إعادة رفات جوليا إلى مسقط رأسها.
وفي عام 1976 اقتحم بعض الأشخاص مكان تخزين جثتهما، وقاموا باتلاف جثة الطفل، وعملوا على الإضرار بجثة باسترانا..
في عام 1979 تم سرقة جثتها، و استطاعت شرطة أوسلو العثور على الجثة، وتم وضعها في تابوت، ومنع الوصل إليها إلا بتصريح خاص..
في شباط / فبراير 2013 بعد 153 عاماً من التجوال المهين، دُفنت جوليا باسترانا أخيراً في مقبرة بمدينة سينالوا دي ليفا بالمكسيك في مراسم لائقة، لتسترد كرامتها التي سُلبت منها حية وميتة.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
الجريمة الأكثر بشاعة في التاريخ.. عار أمريكا في الهنود الحمر
913 جثة.. بينهم أكثر من 200 طفل.. في إنتحار جماعي في الولايات المتحدة
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..