سامر زريق ـ نداء الوطن
بعد حديث الرئيس سعد الحريري عن الموعد الذي طار مع الرئيس السوري أحمد الشرع بسبب الضربات الإسرائيلية على إيران، وكذلك المعلومات عن تواصلهما هاتفيًا في الأسابيع الأخيرة عبر أحد التطبيقات، برزت تساؤلات جدية حول إمكانية استقبال الرئيس السوري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، في ظل وجود محددات معقدة ترتبط بمقاربة دمشق تجاه لبنان، وعلاقتها مع الرياض.
فالرئيس السوري لا يزال يتبنى مقاربة ترتكز على عدم التورط في الساحة السياسية اللبنانية، ولذلك تمتنع الإدارة السورية عن تحديد مواعيد لشخصيات وقوى سياسية خارج إطار الدولة. في حين أن الموقف السعودي المعروف من الحريري ازداد وطأة مع توجيه رسائل سياسية عبر أكثر من نافذة لتحذير زعيم "المستقبل" من الخوض في "مياه عميقة"، والتحوّل إلى رأس حربة لدى بعض القوى ضدّها.
ومع ذلك، ثمة اعتبارات تحكم النظرة السورية إزاء الحريري وترفع من فرص حصول اللقاء، الذي يضغط الأخير لحصوله، حسبما تشير مصادر مقربة من دمشق. أبرزها على الإطلاق الرصيد المعنوي الهائل للرئيس رفيق الحريري في الذاكرة الجمعية السورية، وتصنيفه شريكًا في المعاناة من بطش نظام الأسد. ناهيكم عن الرصيد الذي بناه زعيم "المستقبل" نفسه بمواقفه ودعمه للثورة السورية منذ انطلاقتها، بمعزل عن أي عوامل ترتبط بمرجعية الموقف السياسي والدعم المادي في الرياض حينها.
بيد أن الاعتبار الأهم يكمن في النهج السياسي للرئيس السوري، وركيزته الأساسية براعته بإدارة التناقضات، واستقطاب خصوم ومنافسين في لحظة ضعف كـ "أوراق" يعزز بها محفظته السياسية. للإضاءة على هذا النهج، لا بد من العودة قليلًا إلى حقبة "إدلب" التي لم تتحول إلى عرين استعصى على نظام الأسد وموسكو بفضل العامل التركي فقط، بل كذلك لامتلاك الشرع أوراقًا شديدة الأهمية في محفظته الصغيرة شكلت وعاء حاميًا، ومدخلًا لفتح قنوات تفاوض على أكثر من صعيد أسست لتفاهمات عرف كيف يطوّرها ويراكم فوقها.
بدءًا من "قاعدة حميميم" التي كانت تقع في مرمى قدرات الشرع، لكنه امتنع عن استهدافها، واستخدم هذه الورقة للمناورة. مرورًا بالمقاتلين الأوزبك والشيشانيين في صفوف قواته، والذين يعدون جزءًا من الأمن القومي الروسي. وصولًا إلى المقاتلين الإيغور الذين تعدهم الصين خطرًا على أمنها القومي، وتجد فيهم واشنطن ورقة استراتيجية يمكن توظيفها لزيادة الضغط على بكين.
غداة تسلمه "عرش الشام"، عزز الشرع محفظته بورقة الفصائل الفلسطينية لاستثمارها ضمن سياق تفاوضي معقد مع إسرائيل. فمن جهة منع أي نشاط لها، لكنه أمسك بناصية العديد من ركامها ورجالها. وفي الآونة الأخيرة بدأ يعمل على احتواء "حماس"، حيث أتاح لها الاقتراب منه لإدراكه أنها تعاني من عزلة شديدة، ضمن نهجه في استقطاب "إخوان" سوريا كأفراد مفتتين يبحثون عن مظلة سياسية. أثمر هذا النهج عن عملية "بيت جن" لتكون رسالة لإسرائيل تحثها على إبداء المرونة في المفاوضات. يضاف إلى ذلك مهارته في إدارة الاختلافات والانقسامات الهائلة داخل أجنحة وتيارات ضمن تنظيمه، وفي الإطار السياسي - الفصائلي الأكبر الذي صار العمود الفقري للسلطة.
لا يخفى على الشرع أن الدفع بالحريري بغطاء إقليمي، فرنسي وإماراتي، ودعم إيراني، يرمي إلى اجتذابه نحو تحالفهم وزيادة الضغط عليه. بيد أنه يدرك أن الحريري في موقع ضعيف بعدما فقد القواعد التي ارتكزت عليها زعامته العابرة للجغرافيا اللبنانية، من الدعمَين السعودي والأميركي إلى القدرات المالية وأدوات التأثير. وبالتالي فهو ينظر إليه على أنه "ورقة" تتيح له هامشًا أوسعَ من المناورة، لتعزيز تأثير العصبية السياسية التي يجسدها في لبنان، وفي الوقت نفسه زيادة الضغط على الدولة اللبنانية بطريقة ناعمة يوازن بها الضغط السلبي لـ "حزب الله" وبعض الأفرقاء المحليين.
زد عليها أن السعودية التي لا ترى في الحريري خطرًا جديًا على سياساتها، قد تترك للشرع معالجة "الشغب" الذي يثيره واحتواءه بأقل كلفة سياسية، ولا سيما أنها لاعب محوري في إعادة صياغة النظام الإقليمي وقواعده وتوازناته، وتعد لبنان قطعة ضمن هذه الرقعة، لكنها تنأى تمامًا عن الخوض في تفاصيل يومياته المتعبة.
وعليه، فإن حصول اللقاء يصب في خانة تعزيز زعامة الشرع على مستوى المنطقة، وخصوصًا المدى الحيوي الاستراتيجي السوري، في حين أن تأثير الصورة التي يبحث عنها الحريري هو آني وذو بعد عاطفي تصعب ترجمته سياسيًا على المدى الطويل. عمليًا، العلاقة بينهما كظاهرتين سنيتين هي علاقة عكسية بين واحدة تصعد بقوة وتتوكأ على محفظة سياسية تزداد ثراءً، وأخرى استهلكت وأوراق محفظتها صارت محدودة.
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..