قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
في عام 1913، وقفت امرأة أمام محكمة الصلح في مدينة ليدز الإنجليزية، وأدلت بشهادتها ببرود: زوجها باعها لزميل له في العمل مقابل "جنيه إسترليني واحد". لم تكن هذه مزحة، ولم تكن مجازاً، بل كانت النهاية الفعلية لعادة استمرت قرنين من الزمن: "بيع الزوجات".
لكن من هي هذه المرأة؟ الحقيقة أن "اسمها لم يُحفظ في السجلات". ما نعرفه عنها لا يتجاوز كونها امرأة مثلت أمام محكمة ليدز عام 1913، وأدلت بشهادة مفادها أن زوجها باعها لزميل له في العمل مقابل جنيه واحد . لم تُدوَّن أسماء زوجها ولا المشتري ولا سبب مثولها أمام المحكمة ولا مصيرها بعد ذلك. وهي حالة تختصر جوهر الظاهرة بأكملها: في تجارة بيع الزوجات، كانت المرأة تُعامل كسلعة، ولم تكن سجلات ذلك العصر تهتم بتوثيق هويتها كإنسانة، بل بتوثيق "الواقعة" نفسها.
لماذا يبيع الرجل زوجته؟
الإجابة بسيطة: الطلاق كان ترفاً لا يُطاق.
قبل عام 1857م، لم يكن في إنجلترا قانون طلاق بسيط. للحصول على طلاق قانوني، كان على الشخص العادي أن يمر بإجراءات برلمانية معقدة تصل تكلفتها إلى نحو 3000 جنيه إسترليني، أي ما يعادل دخل عامل عادي لعقود. بالنسبة للطبقات الفقيرة، كان الطلاق مستحيلاً عملياً.
لكن فشل الزواج لا يختفي لأن القانون يتجاهله.
إذا هجرت الزوجة زوجها وعاشت مع رجل آخر، كان بإمكان الزوج الأول مقاضاة العشيق بتهمة "التواصل الجنسي الإجرامي" والمطالبة بتعويضات ضخمة . و لم يكن القانون يسمح للمرأة بمقاضاة زوجها بالخيانة، لكن الزوج كان يستطيع دائماً معاقبة شريك زوجته الجديد.
وهكذا ظهر "بيع الزوجة" كـ "حل شعبي" لهذه المعضلة. من خلال مزاد علني، يتنازل الزوج عن "ملكيته" للزوجة أمام شهود، ويحصل المشتري على وضع "الزوج الفعلي"، متجنباً خطر المقاضاة من الزوج السابق .
كيف كان المزاد يجري؟
كانت طقوس بيع الزوجة مُنمّقة بشكل صارخ، تحاكي "مزادات الماشية" (الحيوانات) في ذلك العصر.
كان الزوج يأخذ زوجته إلى السوق في يوم السوق، ويضع حول عنقها أو خصرها "حبل أو شريط قماشي"، تماماً كما يُقاد الحيوان. ثم يصعد بها إلى منصة المزاد ويهتف ببيعها، وأحياناً يمدح "مزاياها" كما يمدح مزايا حصان.
في عام 1832م، وصف رجل يُدعى جوزيف طومسون زوجته في المزاد بـ “الأفعى السامة” ، لكنه سرعان ما أضاف أنها تحلب البقرة، وتطبخ، وتغني .
بعد إتمام الصفقة، كان البائع والمشتري والزوجة نفسها يدخلون الحانة غالباً، ويشربون كأس جعة احتفالاً بإتمام البيع.
الزوجة لم تكن ضحية سلبية دائماً
حقيقة أساسية غالباً ما تُغفل: "موافقة الزوجة كانت شرطاً لإتمام البيع". لم يكن بإمكان الزوج أن يجرّ زوجته غير الراغبة إلى السوق .
في كثير من الحالات، كان المشتري "متفقاً عليه مسبقاً" ـ غالباً عشيق الزوجة.
كان المزاد مجرد "طقس رمزي" مُصمم بعناية لمنح العلاقة الجديدة مظهراً من "الشرعية".
بعض النساء كنّ الدافع وراء الصفقة
في عام 1830م، عندما عُرضت امرأة في سوق وينلوك مقابل "شلن وستة بنسات"، تراجع الزوج في اللحظة الأخيرة، فقامت هي بخلع مريولها وضربت به وجه زوجها وهي تصرخ: "اتركني أُبَع! أريد تغييراً".
موقف القانون الغامض
لم يُعترف ببيع الزوجة قانونياً أبداً. لكنه لم يُحظر صراحة .
كان موقف السلطات متسامحاً، طالما كان البيع بموافقة الجميع.
هناك قاضٍ في أوائل القرن التاسع عشر سجّل أنه لا يعتقد أن لديه الحق في منع بيع الزوجات.
والأكثر سخرية، أن بعض مفوضي قانون الفقراء أجبروا أزواجاً على بيع زوجاتهم، لتجنب إعالة الأسرة في دور الفقراء .
وفقاً للإحصاءات، بين عامي 1780 و 1850، كانت هناك حوالي "300 حالة موثقة" لبيع الزوجات في إنجلترا .
الأصداء الأخيرة
في عام 1857، أصدر البرلمان البريطاني "قانون الطلاق"، الذي بسّط إجراءات الطلاق بشكل كبير وخفض تكاليفه.
بعد نشر القانون تضاءلت عادة بيع الزوجات بسرعة، لكنها لم تختفِ فوراً.
في عام 1901، كتب الفقيه جيمس برايس أن بيع الزوجات "لا يزال يحدث أحياناً في الطبقات الدنيا في إنجلترا".
في عام 1913، جاءت شهادة تلك المرأة المجهولة الاسم في محكمة ليدز لتضع النقطة الأخيرة في هذه القصة الطويلة العبثية .
تصور أن إمبراطورية تمتلك أقوى أسطول بحري وأعرق تقاليد قانونية، كانت تتاجر بالزوجات في مزادات علنية لقرنين من الزمن.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
الحضارة الأمريكية: أكثر من 200 ألف قتيل بهجوم نووي أمريكي على اليابان