قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
في خريف عام 1968م، كانت بيروت تستعد لولادة فيلم جديد يمجّد الفدائيين الفلسطينيين بعنوان "كلنا فدائيون". أراد صُنّاعه أن يكون العمل صرخة فنية في وجه الاحتلال، وأن يُختتم بمشهد درامي يخلّد التضحية. لكن ما كان يفترض أن يكون نهاية سينمائية، تحوّل إلى كارثة حقيقية.
في ليلة 5 تشرين الأول/أكتوبر 1968م في استديو الحازمية، وأثناء تصوير المشهد الأخير الذي يتضمن دخول فدائي فلسطيني إلى ملهى في تل أبيب ويفجّره انتقامًا لرفاقه، دوّى انفجار هائل دمّر المكان وقتل أكثر من عشرين شخصاً، معظم أفراد الطاقم، من بينهم:
المنتج أدمون نحاس (أحد مؤسسي استديو نحاس في مصر)، المخرج "غاري غاربيتيان"، الممثل الشاب "سامي عطار"، الممثلة "منى سليم" (تغريد) التي أصيبت بحروق قاتلة، المصور "سركيس غوغونيان"، صاحب الاستديو "جورج غصن" وابنة أخته "كوليت ناصيف" (16 عامًا).
المتفجرات الخلبية (الصوتية) التي كان يفترض أن تُستخدم في التصوير، استُبدلت بمتفجرات حقيقية، لتتحول الكاميرا إلى شاهد على محرقة غير مسبوقة في تاريخ السينما العربية.
التحقيقات لم تكشف الحقيقة كاملة، لكن أصابع الاتهام وُجّهت إلى الموساد الإسرائيلي، الذي قيل إنه أراد اغتيال الفريق الفني المرتبط بالقضية الفلسطينية، فيما تحدّث آخرون عن احتمال تورط بعض الإيطاليين المشاركين في الإنتاج، الذين قيل إنهم كانوا ينوون بيع نسخة من الفيلم لإسرائيل.
الحادثة اعتُبرت أول مرة في تاريخ السينما يُقتل فيها طاقم كامل أثناء التصوير، وبقيت القضية غامضة، وطواها النسيان مثل كثير من الحوادث الأمنية في لبنان.
هذه الحادثة لم تكن مجرد مأساة فنية، بل كانت رسالة دامية بأن حتى الفن المقاوم كان هدفًا للتصفية. ومنذ ذلك اليوم، بقي اسم "كلنا فدائيون" شاهدًا على أن الكاميرا قد تتحول إلى سلاح، وأن السينما قد تدفع ثمنًا دمويًا حين تختار أن تكون صوتًا للمقاومة.
"كلنا فدائيون.. فيلم لم يُعرض، لكنه كُتب بالدم، وبقي شاهدًا على أن الفن المقاوم قد يدفع أثمن الأثمان."