بوابة صيدا
تقول راوية القصة
كانت أختي نورا تشحذ ما تبقى من جسدها النحيل بالعبادة، تذوب شحوباً وهي تنقل نظراتها بين المصحف ومصلاها، راكعة ساجدة في سكون الليل وأطراف النهار.
في المقابل، كنتُ أنا الغارقة في دنيا اللذة العابرة، أسيرة الشاشات والمجلات الفنية، أُعرف بشغفي بمشاهدة الأفلام لثلاث ساعات متواصلة، أُسوّف صلاتي وأفرّط في واجباتي.
في تلك الليلة، ارتفع أذان الفجر الأول من المسجد المجاور. آويت إلى فراشي، فأتاني صوت نورا الحنون، بعد أن أنهكها ذلك المرض الخبيث وأقعدها الفراش: "لا تنامي قبل أن تصلي الفجر".
نادتني لأجلس إلى جوارها. قعدتُ، فتلت بصوت عذب يبعث في النفس الرهبة: "كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ثم سألتني بنبرة تخترق الوجدان: "ألم تؤمني بالموت؟ ألا تخافين من بغتته؟ انظري إلى من هنّ أصغر منك ورحلن في لحظة.. الموت لا ينتظر أحداً".
حاولت الهروب كعادتي خلف الأعذار: "الله غفور رحيم.. والعمر طويل.. وأنا أخشى الظلام، فلا تزديني خوفاً". لكن صوتها تحشرج فجأة لتقول: "لعلي هذا العام أسافر سفراً بعيداً جداً.. الأعمار بيد الله".
تذكرتُ سر أطبائها حين أخبروا أبي أن أيامها معدودة. نظرتْ إليّ ويدها تهتز في عتمة الغرفة: "لا فرق بيننا، كلنا سنرحل، إما إلى جنة وإما إلى نار.. "فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ".
في الثامنة صباحاً، أفقت على صراخ واضطراب. تردت حالة نورا ونُقلت إلى المستشفى. تضاءلت آمال السفر والبهجة، وغدوتُ في ذهول. عند الظهيرة، طلبنا أبي للزيارة. انطلقنا مسرعين، وكان الطريق الذي أقطعه عادة في دقائق يبدو اليوم أطول، والازدحام الذي كنت أتلهى به صار خناقاً يطوق أنفاسي.
في المستشفى، بين تأوه المرضى ومشاهد المعاناة، دخلتُ لغرفة العناية المركزة لمدّة دقيقتين سمح بهما الأطباء. رأيتها مستلقية. قلت لها: "كنتِ بخير البارحة، ماذا جرى؟".
أجابتني وهي تضغط على يدي برفق: "أنا بخير والحمد لله".
لامست يدي ساقها بالخطأ فوجدتها باردة كالثلج وأبعدتها، فقالت بصوت كأنه قادم من عالم آخر: "كلا.. لم تضايقيني، ولكني تذكرت قول الله تعالى: "وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ".. ادعي لي يا هناء، فسفري بعيد وزادي قليل.
انهارت دموعي، وعُدت إلى البيت غارقة في بكاء لم يعهده أهلي مني. مع غروب ذلك اليوم الحزين، غطى الصمت أركان المنزل، ثم توافد المعزون. انطلقت الكلمة التي خشيتها: "نورا ماتت".
عجزت عيناي عن البكاء من شدة الصدمة. أخذني أبي لوداعها الأخير، قبّلت وجهها المسجى، ولم يغب عن ذهني في تلك اللحظة إلا آية: "وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ".
في تلك الليلة، وجدت نفسي تلقائياً أتقدم إلى مصلاها. تذكرتُ توأمي التي شاركتني الرحم والهموم، من طالما دعت لي بالهداية وسكبت الدموع لأجلي. رأيتُ مصحفها، سجادتها، وفستانها الوردي الذي احتفظت به لليوم الذي تُزف فيه. هناك، انهمرت دموعي بغير انقطاع، وبكيت على أيامي الضائعة في الغفلة.
سألت نفسي: ماذا لو كنتُ أنا الميتة الليلة؟ ما كان سيكون مصيري؟.
وفجأة.. شقّ سكون الليل صوت أذان الفجر: "الله أكبر.. الله أكبر". لم أسمعه يوماً بهذه العذوبة. شعرتُ بسكينة تطمئن قلبي المكلوم. قمتُ، لففتُ ردائي، ووقفتُ على سجادتها لأصلي الفجر.. صليتها بقلب خاشع ومودع، كما صلتها أختي في آخر عهدها بالدنيا.
ـــــــــــــ
إقرأ ايضاً