قسم التوثيق في موقع بوابة صيدا
السناتور الجمهوري "ليندسي غراهام"، الذي رحل اليوم الاحد 12 تموز / يوليو عام 2026، لم يكن مجرد عضو عادي في الكونغرس الأمريكي، بل شكل محوراً رئيسياً فيما يعرف بـ"العقيدة الصقورية" وكان أشد المدافعين عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي في واشنطن.
من خلال منصبه في مجلس الشيوخ، خاض غراهام معارك على الصعيدين الدبلوماسي والمالي بهدف ترسيخ السيطرة الإسرائيلية، تاركاً وراءه إرثاً من التصريحات الصارخة التي دعت إلى إبادة غزة وتدمير لبنان تحت ستار "الأمن القومي".
في هذا التقرير التوثيقي المتعمق، يستعرض "قسم التوثيق في موقع بوابة صيدا" مسيرة هذا السياسي الأمريكي ومواقفه، محاولاً تفكيك كيفية مساهمة تشريعاته في إراقة دماء الأبرياء في فلسطين ولبنان تحت غطاء أمريكي كامل.
يُعتبر السناتور الجمهوري البارز "ليندسي غراهام" واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في الحزب الجمهوري، خاصة في لجنة القوات المسلحة ولجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ على مدى عقود، حيث شكلت رؤيته التدخلية ملامح السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقتنا.
وُلد غراهام عام 1955م في ولاية كارولاينا الجنوبية، ونشأ في ظروف متواضعة وفقد والديه في سن مبكرة. انضم إلى سلاح الجو الأمريكي كمحامٍ عسكري، وخدم في الخدمة الفعلية ثم في قوات الاحتياط، مما غرس فيه ميلاً عسكرياً مباشراً في حل الأزمات الدولية.
بدأ مسيرته السياسية بانتخابه لعضوية مجلس النواب عن ولايته عام 1995، ثم انتقل إلى مجلس الشيوخ عام 2002 وظل يُعاد انتخابه باستمرار.
بنى غراهام نفوذه من خلال تحالفه الوثيق مع السناتور الراحل "جون مكين"، حيث شكلا معاً محور "المحافظين الجدد" الذين دافعوا عن التدخل العسكري الأمريكي المباشر في العالم، مثل حربي العراق وأفغانستان.
فيما بعد، تحول من ناقد حاد لدونالد ترامب إلى واحد من أقرب مستشاريه وأشرس المدافعين عن سياسته الخارجية.
الدعم المتطرف لإسرائيل
يُصنف غراهام في واشنطن كأحد أبرز المدافعين عن المصالح الإسرائيلية، حيث يتجاوز دعمه الجانب السياسي التقليدي ليتبنى بالكامل الرواية اليمينية الإسرائيلية.
على مدار سنوات، قاد جهوداً لتأمين الدعم المالي والعسكري غير المشروط لتل أبيب، وكان المحرك الرئيسي لمشاريع القوانين التي تفرض عقوبات على السلطة الفلسطينية، مثل قانون "تايلور فورس" الذي يقطع المساعدات.
كما صرح مراراً بأن "أمن إسرائيل هو أمن أمريكا"، واصفاً الكيان بأنه خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية في الشرق الأوسط.
و دافع أيضاً بشراسة عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل.
التحيز والعداء ضد العرب والمسلمين
ينبع موقف غراهام من القضايا العربية من رؤية أمنية صقورية تأثرت بأحداث 11 أيلول / سبتمبر عام 2001م، حيث يختزل المنطقة غالباً في ثنائية الحلفاء التابعين لأمريكا ضد الإرهاب والأعداء.
و يتبنى خطاباً يربط بين الثقافة العربية أو الإسلامية والنزوع نحو التطرف، وغالباً ما برر الإجراءات التمييزية أو العمليات العسكرية بأنها "دفاع عن النفس ضد ثقافة الموت".
موقفه من حقوق الفلسطينيين
يرفض غراهام بشكل قاطع أي إدانة دولية لممارسات الاحتلال، وكان من أشد المهاجمين لمحكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية عندما حاكمتا إسرائيل، واصفاً الجهود الدبلوماسية الفلسطينية بأنها "إرهاب دبلوماسي".
الموقف من الحروب الإسرائيلية (لبنان وفلسطين)
يمثل غراهام التيار الذي يمنح إسرائيل تفويضاً مطلقاً في عملياتها العسكرية دون أي اعتبار للقانون الدولي الإنساني.
حرب الإبادة على غزة وفلسطين
أثارت تصريحات غراهام خلال حرب الإبادة على غزة وفلسطين موجة استنكار واسعة في الأوساط الحقوقية الدولية. فقد ظهر علناً بدعوات إلى "مسح غزة عن الوجود"، مؤكداً أن عدد الضحايا المدنيين غير مهم ما دام الهدف الأساسي هو القضاء على حركات المقاومة. كما أيد فكرة السيطرة الأمنية الكاملة والاحتلال الشامل للفلسطينيين باعتبار ذلك الحل الوحيد لضمان أمن إسرائيل.
الحرب على لبنان
أما في سياق الحرب على لبنان، فكلما تصاعد التوتر هناك، كان غراهام يمارس ضغوطاً في واشنطن لتسريع إمداد إسرائيل بالذخائر الذكية والقنابل الثقيلة. ويصنف لبنان في نظره كرهينة وساحة مواجهة مباشرة مع إيران، لذا برر استهداف البنية التحتية اللبنانية وفرض الحصار، معتبراً أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا يؤدي إلى تفكيك قدرات حزب الله بالكامل يمثل هزيمة للولايات المتحدة.
الحرب على إيران
يرى غراهام أن الحوار مع طهران لا جدوى منه، معتقداً أن النظام الإيراني لا يستجيب إلا للقوة القصوى. و عبر غراهام عن مواقفه بسلسلة من التصريحات الحادة في وسائل الإعلام الأمريكية مثل قناة فوكس نيوز وداخل الكونغرس، ومن أبرزها: دعوته لإزالة مصافي النفط الإيرانية بعد هجمات الحوثيين 2019م على منشآت أرامكو السعودية وتكرار الهجمات على القواعد الأمريكية.
و عند اندلاع الحرب على غزة وتصاعد التوترات، صرح غراهام في مقابلة تلفزيونية شهيرة موجهاً كلامه للإدارة الأمريكية والجيش: "إذا تصاعدت الحرب واتسع نطاقها، وإذا هاجم حزب الله إسرائيل من الشمال، يجب أن نوضح لإيران أننا سنقصف مصافيكم النفطية وبنيتكم التحتية. إذا استمرت الحرب، فسنأتيكم في عقر داركم".
و في شرحه لدعم إيران لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن، كرر غراهام في الكونغرس عبارته المفضلة: "لا توجد حماس بدون إيران، ولا يوجد حزب الله بدون إيران، ولا يوجد حوثيون بدون إيران. إسرائيل وأمريكا تحاربان أطراف الأفعى بينما الرأس في طهران يتنفس بسلام. لوقف هذا الجنون، يجب قطع رأس الأفعى واستهداف النظام الإيراني مباشرة".
و يطالب غراهام بجدول زمني واضح لإيران، ويحث الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تفويض الجيش لضرب المنشآت النووية: "يجب أن يكون الخيار العسكري جاهزاً لتدمير برنامجهم النووي بالكامل وإعادتهم عقوداً إلى الوراء".
ويمكن اختصار إرث ليندسي غراهام في محورين رئيسيين:
1. أسس الدعم المطلق: حيث نجح غراهام في تحويل دعم إسرائيل داخل الحزب الجمهوري من مجرد سياسة خارجية قائمة على المصالح إلى عقيدة أيديولوجية شبه دينية، مما جعل أي تراجع أمريكي عن دعم الاحتلال يعادل انتحاراً سياسياً لأي مرشح جمهوري.
2. تغذية الصراعات المستمرة: قاد غراهام رؤية ترى أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحقق بمنح الحقوق لأصحابها من الفلسطينيين واللبنانيين، بل بفرض القوة العسكرية المفرطة وإدامة السيطرة الأمريكية الإسرائيلية، مما ساهم في تعميق الأزمات والحروب في المنطقة لعقود طويلة.