عبد الباسط ترجمان ـ بوابة صيدا
في السنوات الأخيرة، بات المتابع للحياة المدرسية يلحظ تنامي بعض الأنشطة والاحتفالات المستوردة من ثقافات أخرى، حتى أصبح بعضها يحظى باهتمام يفوق أحياناً الاهتمام بالرسالة الأساسية التي وُجدت المدرسة من أجلها. وليس المقصود هنا رفض الانفتاح على العالم أو معاداة الحضارات الأخرى، فالتواصل الإنساني وتبادل الخبرات أمر محمود، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التقليد إلى ذوبان في ثقافات لا تنسجم مع قيمنا العربية والإسلامية وهويتنا الأخلاقية.
لقد كانت المدرسة في وجدان مجتمعاتنا منارة للعلم والتربية، ومصنعاً للأجيال، ومكاناً تُغرس فيه الفضائل قبل المعلومات. ومن واجبها أن تخرّج طلاباً متسلحين بالعلم، ومتمسكين بالأخلاق، معتزين بدينهم وثقافتهم وتاريخهم. أما حين تتحول بعض المؤسسات التعليمية إلى منصات لتقليد كل ما يأتي من الغرب، في أعياده ومهرجاناته وعاداته وأنماط سلوكه، فإن السؤال المشروع يفرض نفسه: هل ما زلنا نسير في الاتجاه التربوي الصحيح؟
إن المدرسة ليست موسماً للاحتفالات المتكررة، ولا ساحة لاستعراض كل ما هو دخيل على مجتمعنا، بل هي بيئة لتكوين الشخصية السوية، وتعليم الانضباط والاحترام والحياء والمسؤولية. وما أحوج أبناءنا اليوم إلى ترسيخ قيم الصدق والأمانة والعفة واحترام الوالدين، وإلى معرفة أصول دينهم وأخلاقهم، بدلاً من الانشغال بتقليد مظاهر لا تضيف إلى شخصياتهم علماً ولا خلقاً.
إن أخطر ما قد ينتج عن هذا التقليد الأعمى هو صناعة جيل منبهر بالآخر إلى درجة يفقد معها ثقته بهويته وثقافته، فينشأ وهو يظن أن التقدم لا يكون إلا بنسخ كل ما يفعله الغرب، دون تمييز بين النافع والضار، وبين ما ينسجم مع قيمنا وما يتعارض معها. والحكمة ليست في رفض كل جديد، كما أنها ليست في قبول كل وافد، بل في الانتقاء الواعي الذي يحافظ على الأصالة ويستفيد من التقدم.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة للأولويات التربوية داخل مدارسنا، بحيث يعود التركيز إلى التعليم الحقيقي، وإلى التربية الأخلاقية والوطنية والدينية، وإلى بناء الشخصية المتوازنة التي تجمع بين العلم والخلق. فالأمة لا تنهض بالمظاهر والاحتفالات، بل بالعلم النافع والقيم الراسخة والهوية الواضحة.
إننا بحاجة إلى مدارس تعلّم أبناءنا كيف يكونون أصحاب مبادئ، وتغرس فيهم معاني الحياء والستر والرجولة المسؤولة، وتمنح الفتيات الاعتزاز بأنوثتهن وأخلاقهن، وتربي الجميع على احترام الدين والقيم والآداب العامة. فهذه هي الرسالة التي تنتظرها الأسر من المؤسسات التربوية، وهي الرسالة التي تحفظ المجتمع وتبني مستقبله.
ولعل العودة إلى النهج التربوي الأصيل، القائم على العلم والأخلاق والانتماء، ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة في زمن تتسارع فيه محاولات طمس الهويات وإذابة الخصوصيات الثقافية. فالحفاظ على شخصيتنا الحضارية لا يكون برفض العالم، وإنما بالثقة بما نملك من قيم ومبادئ، وببناء جيل يعرف من هو، وإلى أي حضارة ينتمي، وكيف يشارك في نهضة أمته دون أن يفقد نفسه في تقليد الآخرين.