• لبنان
  • الاثنين, أيار 25, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 10:02:42 م
inner-page-banner
صفحات تاريخية

ملحمة الريف المنسية: كيف أذلَّ "الخطابي" إمبراطوريتين.. وكيف أحرقت الغازات السامة أول جمهورية عربية؟

بوابة صيدا ـ لم تكن مجرد حرب، بل كانت زلزالاً هز عروش باريس ومدريد، وصاغ أول أبجدية لحرب العصابات الحديثة في التاريخ. 

من قمم جبال الريف الشامخة في المغرب، قاد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي جيشاً من الحفاة ليسحق كبرياء الجيوش النظامية في معركة "أنوال" الأسطورية.

في هذا الملف التوثيقي، تفتح "بوابة صيدا" الصندوق الأسود لعام 1926؛ لنكشف لكم بالحقائق كيف توحدت فرنسا وإسبانيا بربع مليون جندي تقريباً لكسر إرادة رجل واحد، وكيف لُطخت السماء العربية بأطنان من الغازات الكيميائية السامة في أكبر جريمة إبادة صامتة شهدها القرن العشرين"

لم تكن حرب الريف مجرد تمرد محلي ضد قوى استعمارية، بل كانت أول حرب عصابات حديثة ومنظمة بدقة، قادها المفكر والقائد العسكري الفذ "الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي"، والذي تحول إلى ملهم لحركات التحرر العالمية (مثل ماو تسي تونغ، وهو تشي مينه، وتشي جيفارا) نظراً لاستراتيجياته العسكرية المبتكرة التي أذلت إمبراطوريتين استعماريتين (إسبانيا وفرنسا).

بدأت المواجهات الفعلية برفض قبائل الريف شمال المغرب لخطط التوسع الإسباني والفرنسي المبنية على "معاهدة فاس" (1912) التي قسمت المغرب إلى مناطق حماية.

تعد ملحمة أنوال (تموز/يوليو 1921 ـ ذو القعدة 1339هـ) المعركة المعجزة العسكرية الأبرز، حيث نجح الخطابي بجيش من المقاتلين الريفيين لا يتجاوز عددهم 3000 مجاهد، من سحق جيش إسباني نظامي وحديث يضم أزيد من 20 ألف جندي بقيادة الجنرال "سيلفيستري".

قُتل آلاف الجنود الإسبان (بمن فيهم قائد الحملة سيلفيستري)، وغنم الثوار كميات هائلة من الأسلحة الثقيلة والذخيرة والمدافع، و أدت هذه الهزيمة الكارثية إلى زلزال سياسي في مدريد أطاح بالحكومة ومهد الطريق لإنشاء "جمهورية الريف" (1921 - 1926) ككيان سياسي مستقل أراد الخطابي من خلاله تحديث المنطقة.

ابتكر عبد الكريم الخطابي تكتيكات عسكرية غير مسبوقة، فحفر الريفيون شبكات معقدة من الأنفاق تحت الجبال للاحتماء من القصف الجوي والمدفعي، ومباغتة العدو من خلف خطوطه، كما اعتمدوا على الخفة والسرعة والمباغتة في الليل، حيث كان المقاتل يذوب في بيئته الجبلية الوعرة التي يعرفها شبراً بشبر.

لم يعتمد الخطابي على الفوضى؛ بل نظم القبائل في خطوط دفاعية، وأنشأ نظاماً للاتصالات والتموين، واستغل الأسلحة المضمونة من الإسبان بذكاء شديد، وشكل نجاح الخطابي في تأسيس جمهورية وبناء جيش قوي قلقاً وجودياً لفرنسا (التي كانت تحتل وسط وجنوب المغرب) و خشيت باريس أن تنتقل عدوى الثورة إلى مناطق نفوذها وتطردها من شمال إفريقيا، خاصة بعد أن تقدم الخطابي عسكرياً نحو مناطق "تازة" و"فاس" عام 1925م وهزم القوات الفرنسية في مواجهات أولية.

و أدرك الأسبان عجزهم الكامل عن مقاومة الشعب المغربي المسلم في الريف، فاستعانوا بفرنسا.. و لأول مرة في التاريخ الاستعماري الحديث، نسقت قوتان إمبراطوريتان كبريان (فرنسا وإسبانيا) جهودهما العسكرية بالكامل لسحق عدو واحد، فتم حشد جيش عرمرم فاق عدد الجنود الفرنسيين فيه فقط 158.000 جندي، عدا عن عشرات الآلاف من القوات الإسبانية، مدعومين بالطائرات والدبابات.

في رمضان 1343 هـ ـ نيسان/أبريل 1925م) وقعت شرارة الصدام بين الفرنسيين والقائد عبد الكريم الخطابي، وذلك عندما أمدّ الفرنسيون زعماء الطرق الصوفية بالمال والسلاح ليشجعوهم على إثارة الاضطرابات في الريف المغربي، فأدى ذلك إلى مهاجمة الريفيين لبعض الزوايا قرب الحدود، ووجد الفرنسيون في ذلك حجة للتدخل لحماية أنصارهم الصوفية، وعندما بدأ القتال فوجئ الفرنسيون بقوة الريفيين وحسن تنظيمهم وقدراتهم القتالية، فاضطروا إلى التزام موقف الدفاع مدة أربعة أشهر، واستطاعت بعض قوات الريف التسلل إلى مسافة 20 ميلا بالقرب من فاس، وخسر الفرنسيون خسائر فادحة، ووقع كثير من أسلحتهم في أيدي الريفيين، فقلقت فرنسا من هذه الانتصارات، وأرسلت داهية العسكرية الفرنسية المارشال "بليسييه (بيتان)" ـ بطل معركة فردان ـ والجنرال الإسباني "بريمو دي ريفيرا"، ومعه الضابط الشاب آنذاك "فرانسيسكو فرانكو".

وقد اتخذت فرنسا بعض الإجراءات لتدعيم موقفها في القتال، فطلبت من السلطان المغربي أن يعلن الخطابي أحدَ العصاة الخارجين على سلطته الشرعية، فاستجاب السلطان المغربي لطلبها واعتبره خارجا عن سلطته، وقام برحلة إلى فاس لتأليب القبائل على الريف، كذلك نسقت فرنسا خططها الحربية مع حكومة مدريد، وعُقد مؤتمر لهذا الغرض اتفق فيه على مكافحة تجارة السلاح بين الريف وأوروبا، وبتتبع الثائرين في مناطق كل مستعمر، وتعهدت باريس ومدريد بعدم توقيع صلح منفرد مع الخطابي.

واتفق الأسبان والفرنسيون على الزحف إلى الريف بهدف تحقيق اتصال عسكري بين الدولتين وخرق الريف، وتقسيم قواته إلى جزأين؛ وهو ما يعرضهم لموقف عسكري بالغ الحرج، إلا أن قدوم الشتاء ببرودته أجَّل هذا الزحف وبعض العمليات العسكرية، وخسر الخطابي في تلك المعارك حوالي 20 ألف شهيد، وبقي بجانبه حوالي 60 ألف مقاتل.

اتسعت الحرب في عام 1344هـ/ 1926م) وتجدد الزحف والتعاون العسكري التام بين باريس ومدريد مع تطويق السواحل بأساطيلهما، وقلة المؤن في الريف؛ لأن معظم المقاتلين في صفوف الخطابي من المزارعين، وهؤلاء لم يعملوا في أراضيهم منذ أكثر من عام، وهم يقاتلون في جبهة تمتد إلى أكثر من 300كم.

أمام الصمود الأسطوري للمجاهدين في الجبال والأنفاق، ولتعويض فشلهم العسكري الميداني، لجأ التحالف الفرنسي الإسباني إلى ارتكاب فظائع ترقى إلى جرائم الإبادة الجماعية.

فقد استعانت إسبانيا بخبراء ألمان لإنتاج غاز "الخردل الكيميائي" وقامت الطائرات الإسبانية والفرنسية بقصف الأسواق الأسبوعية، القرى الآهلة بالسكان، ومنابع المياه ومحاصيل المزارعين بالغازات السامة بشكل ممنهج بين عامي 1924 و1926.

كان الهدف إيقاع أكبر قدر من الضحايا بين المدنيين (النساء والأطفال) لإجبار المقاتلين على الاستسلام حمايةً لعائلاتهم، و أدى هذا القصف الكيميائي إلى حرق المحاصيل، وتسميم الماشية، وإصابة عشرات الآلاف بعاهات مستديمة وعمى، و تم تدمير قرى كاملة عن بكرة أبيها، وممارسة الإعدامات الميدانية والتنكيل بالأسرى، ولا تزال منطقة الريف حتى اليوم تسجل أعلى نسب إصابة بأمراض السرطان في المغرب كإرث جيني مأساوي لتلك الغازات.

ولجأ الفرنسيون إلى توجيه دعوة للقبائل لعقد صلح منفرد مع فرنسا أو أسبانيا في مقابل الحصول على حاجاتهم من الطعام، فوجد الخطابي أن الحكمة تقتضي وقف القتال رحمة بسكان الريف وقبائله قبل أن تلتهمهم الحرب، وقبلها الجشع الفرنسي والأسباني.

و اتخذ الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي قراراً شجاعاً وإنسانياً في 25 أيار/ مايو 1926م (12 ذي القعدة 1344هـ) بالاستسلام للجيش الفرنسي.

وقامت قوات الاحتلال الفرنسي بنفي الخطابي إلى جزيرة ريونيون النائية في المحيط الهندي على بعد 13 ألف كيلو متر من موطنه الذي شهد مولده وجهاده، حيث قضى 20 عاماً، وفي عام (1367هـ/ 1947م) قررت فرنسا نقل الخطابي وأسرته إلى أراضيها الأوروبية، و عندما وصلت الباخرة التي تقله إلى ميناء بورسعيد، التجأ إلى السلطات المصرية، فرحبت القاهرة ببقاء هذا الزعيم الكبير في أراضيها، واستمر بها حتى وفاته في 1382هـ / 1963م.

أثبتت حرب الريف أن الشعوب المستضعفة قادرة على قهر أعتى الإمبراطوريات إذا امتلكت التنظيم والوعي، و عجلت الحرب بانهيار الأنظمة السياسية التقليدية في إسبانيا (سقوط الملكية لاحقاً وصعود فرانكو)، و شكلت حرب الريف الملهم الأول لكل حركات التحرر العالمية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية حول تكتيكات حرب العصابات.

 

ـــــــــــــ

إقرأ أيضاً

أتاتورك.. الرجل الذي قطع صلة الأتراك بالعرب بقرار واحد! كيف تحولت تركيا من قلب الخلافة إلى قلعة العلمانية؟

اغتيال فيصل: الرصاصة التي هزّت المملكة

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة