بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينين - الدكتور وسيم وني
في السابع عشر من نيسان، لا تُستعاد ذكرى عابرة، بل تُفتح ذاكرة مثقلة بحكايات تُكتب خلف الجدران، حيث لا يُقاس الزمن بالساعات بل بوطأة القهر، ولا تُختزل الحياة إلا في صراع يومي مع القيد ، و يأتي يوم الأسير هذا العام في سياق استثنائي، يشي بمرحلة هي الأكثر قسوة وتعقيداً، حيث تتكثف المعاناة وتتراجع المساءلة، في مشهد يزداد ثقلاً كلما طال الصمت.
وتشهد السجون الإسرائيلية تضخماً غير مسبوق في أعداد المعتقلين الفلسطينيين، متجاوزة عتبة 9600 أسير، في دلالة واضحة على تحوّل نوعي نحو الاعتقال الجماعي كأداة ممنهج ، كما ويبرز الاعتقال الإداري كأحد أخطر ملامح هذه المرحلة، مع أكثر من 3600 معتقل محتجزين بلا تهم أو محاكمات، في واقع يُفرغ العدالة من مضمونها ويحوّل الاحتجاز إلى قرار مفتوح زمنياً بلا رقابة حقيقية.
وبالطبع في الداخل، لا تنتهي المعاناة عند حدود القيود، بل تبدأ رحلة أخرى داخل الجسد ، فنحو ألف أسير يواجهون أمراضاً مزمنة وخطيرة، وسط بيئة صحية قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية والإنسانية ، ومع تحوّل العلاج إلى أداة ابتزاز وتأجيل، يصبح المرض امتداداً مباشراً للعقوبة، ومساراً بطيئاً نحو مزيد من الألم والمعاناة الصامتة .
هنا الأرقام لم تعد مجرد إحصاءات، بل أصبحت شواهد دامغة على واقع مأساوي ، فقد ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 326 منذ عام 1967، مع تسارع مقلق في وتيرة الوفيات منذ أواخر 2023 ، و الأخطر أن هذه الأرقام قد لا تعكس الحقيقة كاملة، في ظل وجود حالات غير موثقة، خاصة بين معتقلي قطاع غزة الذين يُحتجزون في ظروف معزولة عن أي رقابة أو متابعة دولية.
و يبقى ملف معتقلي غزة الأكثر غموضاً وإثارة للقلق، حيث تكاد المعلومات حولهم تكون معدومة بشكل كامل. ومع انقطاع كامل عن العالم، وغياب لأي شفافية، يقابله تسريب شهادات تتحدث عن ظروف قاسية وممارسات عنيفة ضدهم ، و هذا الواقع يضعهم في دائرة “الاختفاء القسري”، خارج أي إطار قانوني أو إنساني واضح، في واحدة من أخطر صور الانتهاك المعاصر.
لم تعد الإجراءات العقابية داخل السجون حالات استثنائية، بل تحوّلت إلى نهج ثابت ، تقليص للزيارات، اقتحامات متكررة، تضييق يومي، كلها أدوات تُستخدم لإعادة تشكيل بيئة الاعتقال بما يضمن السيطرة الكاملة على أدق تفاصيل حياة الأسرى، جسداً ونفساً وروحاً .
كما و تتجاوز الانتهاكات حدود الجسد لتطال الكرامة الإنسانية بشكل مباشر، من خلال ممارسات مهينة خلال التفتيش والمعاملة اليومية السيئة ، وبالطبع هذه الأساليب لا تُستخدم فقط للإذلال، بل كأدوات ضغط نفسي ممنهجة، في ظل غياب فعلي لأي محاسبة أو ردع.
وتشكل هذه الممارسات انتهاكاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، التي تكفل حماية الأسرى وضمان حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في المحاكمة العادلة والرعاية الصحية والكرامة الإنسانية ، كما أن الاعتقال الإداري المفتوح دون تهمة أو محاكمة يتعارض مع أبسط قواعد العدالة الطبيعية، ويُعد شكلاً من أشكال الاحتجاز التعسفي المحظور دولياً ، و إن استمرار هذه السياسات دون مساءلة يطرح تساؤلات جدية حول فاعلية المنظومة الدولية في فرض التزاماتها القانونية.
وفي موازاة ذلك، تتجه السياسات التشريعية نحو مزيد من التشدد، عبر سن قوانين تُضفي طابعاً “قانونياً” على الإجراءات القمعية ، فهذا التوجه لا يعمّق الأزمة فحسب، بل يعيد صياغة العلاقة مع الأسرى ضمن إطار أمني صرف، متجاهلاً المعايير الحقوقية والإنسانية الدولية.
ورغم تصاعد النداءات الحقوقية المطالِبة بتحقيقات دولية ومساءلة جدية، يبقى الموقف الدولي دون مستوى التحدي ، هذا الصمت، أو التباطؤ، لا يكتفي بالعجز، بل يكرّس واقع الإفلات من العقاب، ويمنح الانتهاكات مساحة للاستمرار.
واختم مادتي بأن يوم الأسير الفلسطيني ليس مناسبة عابرة، بل شهادة حيّة على معركة مستمرة بين القيد والحرية، بين الجدران الصامتة وإرادة لا تنكسر ، ففي زمن تتراكم فيه الأزمات وتتعاظم الانتهاكات، تبقى قضية الأسرى مرآةً حقيقية لضمير العالم: إما أن يستيقظ، أو أن يظل شريكاً في صمتٍ يثقل إنسانيتنا جميعاً.
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..